الرئيسية / أخبار لبنان /مقالات /في ذكرى شهدائها: صحافة لبنان بين الحرّية والمسؤولية

جريدة صيدونيانيوز.نت / في ذكرى شهدائها: صحافة لبنان بين الحرّية والمسؤولية

 

Sidonianews.net

-----------------------

الجمهورية

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

تحلّ اليوم ذكرى شهداء لبنان، وهي في الوقت عينه ذكرى شهداء الصحافة. وإذا كانت الدولة اللبنانية قد حذفت هذه الذكرى من قائمة أعيادها الوطنية لأسباب لا فائدة من الخوض فيها في غمرة الأهوال التي يعيشها وطننا، من دون أن ننسى كيف جرى ترحيل اقتراح قانون بالتعطيل الرسمي في الأول من أيلول، ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير، وتجاوز عيد الجلاء، وهو مناسبة وطنية تكرَّس معها الإستقلال التام وخلو لبنان من أي جندي أجنبي على أرضه، فإنّ الصحافة اللبنانية تعتبر السادس من أيار يوم عطلة، تستذكر فيه شهداءها الذين عُلِّقوا على أعواد المشانق في ساحة البرج بوسط بيروت، والتي سُمِّيَت باسمهم إثر انتهاء الحرب الكونية الأولى. كان هؤلاء خيرة شباب لبنان وأكثرهم علماً وثقافة وإقداماً، وشكّل الصحافيّون من بينهم النسبة الأعلى (11 علماً). كانوا منائر الحرّية بأقلامهم الداعية إلى التحرُّر والانعتاق من الاستعمار، ومقاومة الظلم، فاختلط مدادهم بالدم، وسطّروا في صفحات الوطن أسفار الخلود.

في هذا اليوم، نستذكر الشهداء الأوائل من أبناء المهنة، ونستخلص من شهادتهم العِبَر الآتية:

أولاً: لم ينادِ هؤلاء بفكرة واحدة. وكانت تتنازعهم مشارب وأهواء شتى، وينتمون إلى تيارات سياسية وقومية مختلفة، لكنّهم اتفقوا على قاسم مشترك: مواجهة الاستعمار بالدعوة إلى الحرّية.

ثانياً: لم تُفرِّقهم الطائفية والمذهبية، وكانوا على إلفة كبيرة، وموَدّة عميقة، وطّدتا أواصر الصداقة في ما بينهم، فواجهوا حبل المشنقة متضامنين برؤوس مرفوعة، وصدور عامرة بالإيمان.

ثالثاً: كان الصحافيّون الشهداء دُعاة تحرُّر وإصلاح، وحَمَلة شعلة التنوير والتقدُّم، ولم يتركوا العنان لألسنتهم وأقلامهم لتصول وتجول في معمعة التجاذبات التي تراكم الشروخ وتدفع إلى الفتنة والصدام، وذلك على رغم من تباين المقاصد وتباعد الآراء وتنوُّع الأهداف. لأنّ الحرّية غير نافية للمسؤولية الوطنية والاجتماعية، ويمكن ممارستها إلى أبعد الحدود، وهي حق طبيعي لكل فرد أو مجموعة، وذلك انطلاقاً من القاعدة الآتية: قد يكون ما تقوله مهمّ - بل في غاية الأهمّية - لكنّ الأهم هو كيف تُبرز ما ترغب في قوله، وبأي أسلوب تصوغ ما تريد إيصاله والتعبير عنه.

هذا الكلام نورده في ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية الذين توالى ارتقاؤهم إلى يومنا هذا. بل إلى الأمس القريب. تعدَّدت أمكنة الإرتقاء وأزمنته، لكنّ الشهادة واحدة. إنّها وحَّدت بينهم على رغم من وجودهم في مواقع مختلفة وأحياناً متعارضة.

نقابة محرّري الصحافة اللبنانية قدَّمت الكثير من الشهداء وفي طليعتهم نقيبها نسيب المتني الذي اغتيل في الثامن من أيار 1958. أمّا نقابة الصحافة، فقد أدّت جزية الحرّية باستشهاد نقيبها رياض طه في 23 من تموز 1980. ويضيق المجال بذكر قامات وهامات أسقطها الرصاص الغادر، أو أطبق على أعناقها حبل المشنقة، أو أرداها قصف أو غارة جوية أو محلّقة إسرائيلية، عدا مَن اختُطِف وضاع أثره، لكنّ الذاكرة تتسع لأسمائهم، كما متون الكتب، ويراعات المؤرّخين، لدى الحديث عن البذل والعطاء حتى ذروة التضحية، وهل من تضحية أسمى من أن يقضي المرء فداء قناعته والعقيدة التي بها يؤمن، شأنه شأن الرسل الذين كُتِبَت أقدارهم على جباههم، فإذا رُجِموا أو صُلِبوا، أو قُطِعت رؤوسهم وأوصالهم، يعانقون التراب الذي منه بعثوا، فيما تستمر رسالتهم عابرة الحدود والسدود مخترقة حجب الزمن، تُسطِّر حكاية عطاء لا ينضب تستدير معه الأحرف أرغفة من كلمة تشق الطريق أمام التحرُّر وتثل عروش الطغاة.

في ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية ندعو إلى وقفة مع الذات نستنطقها، والضمير نستحثه، والوطنية نستنخيها، بأن نكون في هذا الوقت العصيب عضداً للبنان الواحد، نُحصِّنه بدفع رياح الفتنة عنه، ونسوِّره بالحرّية النافية للقمع التي لا تحدّها إلّا مسؤولية الحفاظ على السلم واحترام الحق في الإختلاف، ونوطِّد ركائزه كوطن لجميع أبنائه بتقديم المشتركات على كل ما يُفرِّق ويُبدِّد.

على أنّه - وقبل أي شيء - يجب ألّا ينسى مَن يلقي على الصحافة والإعلام أوزار ما تشهد البلاد من انقسام وشروخ، أنّ هذَين القطاعَين ليسا منفصلَين عن الواقع المأساوي الذي يرسف لبنان في قيوده، بل هما يعكسان إلى حدٍّ بعيد حال التردّي والضياع والتردُّد والفشل، وغالباً ما يكونان أسير هذا الواقع، وينقلان صورة غير وردية عنه، من دون أن ننفي ضمور مساحة الحيادية والموضوعية بسبب التخندق السياسي الحاد الذي يلف البلاد.

في ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية لنَعُد، ولو لمرّة واحدة، إلى روحية شهدائنا الأوائل، ولنعمل على صَون الحرّية والديموقراطية والحق في التعبير، وتسليط الضوء على ضرورة تعزيز استقلال لبنان وسيادته، وخلوّه من الاحتلالات، والتصدّي للمفاسد والفاسدين، والانتصار للقانون، كلّ من موقعه وبحسب رؤيته، وذلك بأسلوب خالٍ من الاستفزاز، بعيد من التحريض، أو التخوين، أو الارتياب، تلافياً لما يُخلِّفه هذا الأمر من حزازات تتغلغل في النفوس وتشكّل مع التراكم السلبي مادة صدامية قد تبلغ حدود المساس بالسلم الأهلي.

كَم كان الشاعر زفر بن الحارث الكلابي مصيباً عندما قال: «وقد ينبت المرعى على دمن الثرى / وتبقى حزازات النفوس كما هيا».

ومع التحية لأهل الصحافة والإعلام، والرحمة للشهداء منهم، تبقى الكلمة هي السلاح الأقوى والأمضى، بعد أن تسكت المدافع وتتوقف الصواريخ والغارات، كونها الأبقى.

جاء في إنجيل يوحنا (1:1): «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله». وجاء في قوله تعالى - سورة «العلق»: «إقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم الإنسان بالقلم...». ويبقى الصحافي على تقلُّب الأحوال وتبدُّل الأزمنة وتعاظم النوائب حارس الكلمة والقلم... ولن تتخلّى الصحافة عن دورها في كتابة التاريخ الذي خطت مسودّته الأولى منذ ما أبصرت النور.

------------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / في ذكرى شهدائها: صحافة لبنان بين الحرّية والمسؤولية

 

 

2026-05-06

دلالات: