Sidonianews.net
-----------------------
غادة حداد / الأخبار
غادة حداد
رحل الفنان أحمد قعبور أمس، بعدما التحم صوته بالناس وبالتحولات التي عاشها لبنان وفلسطين، فقد تحوّلت أغانيه، منذ «أناديكم» وصولاً إلى أعماله اللاحقة، إلى ذاكرة حيّة تستعاد في لحظات الألم والحرب. نشأ في بيئة فنية في بيروت، وانخرط مبكراً في التجربة اليسارية، قبل أن يعيد لاحقاً النظر في علاقته بالسياسة ودور الفن. ظلّت بيروت حاضرة في أعماله كهوية وتفاصيل يومية، فيما ظل منحازاً للناس وقضاياهم، حتى رحيله، تاركاً إرثاً فنياً وإنسانياً يتجاوز الأغنية إلى الشهادة على زمن كامل
عادت أغنيات أحمد قعبور (1955-2026)، مع أول طلقة إسرائيلية على لبنان في تشرين الأول (اكتوبر) من عام 2023. رحل قعبور أمس عن عمر ناهز الـ 71 عاماً، بعد صراعٍ مع المرض. خسرته بيروت، وفلسطين والأغنية. كان يمكن أن تلقاه في شارع الحمرا، يمشي منفرداً، أو ضاحكاً وسط أصدقائه في أحد المقاهي. حتى أيامه الأخيرة، بقي يغني رغم الألم والمرض.
البداية والنشأة
وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، في بيئة شعبية مشبعة بالحكايات والموسيقى. لم يكن الفن خياراً طارئاً في حياته، بل امتداداً طبيعياً لبيتٍ كان فيه والده، محمود قعبور، أول عازف كمان في لبنان. هذا القرب من الموسيقى، ومن الحكايات اليومية، جعله ينشأ على فهم مبكر لدور الفن كوسيلة للتعبير. ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها لبنان في تلك المرحلة، تشكّل وعيه الفني في تداخلٍ واضح بين الجمال والموقف، بين اللحن والكلمة، بين الفن والحياة.
شكّل قعبور أحد أبرز أصوات الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. بدأ مسيرته من المسرح، لكنه سرعان ما انتقل إلى الغناء والتلحين، حيث وجد المساحة الأوسع للتعبير عن أفكاره. كان التحول الحقيقي في مساره مع اندلاع الحرب الأهلية، حين أصبحت الأغنية وسيلته للتفاعل مع الواقع، لا للهروب منه.
توالت أعماله في ألبومات شكّلت محطات أساسية في مسيرته: «أناديكم» (1976)، و«نحنا الناس» (1984)، و«حب» (1985)، و«رمضانيات أحمد قعبور» (2001)، و«صوتن عالي» (2002)، و«بدي غني للناس» (2009)، و«أحمد قعبور يغني عمر الزعني» (2011)، و«لما تغيبي» (2018). كل عمل من هذه الأعمال لم يكن مجرد إنتاج فني، بل محاولة لقراءة الواقع، وتوثيقه، والتأثير فيه.
في أغانيه، عبّر عن الوطن كحياة يومية مليئة بالتفاصيل. غنّى للأم، للطفل، للمدينة، للاجئ، للفقر، للعدالة الاجتماعية، وطبعاً لفلسطين. شكل الأطفال حيزاً مهماً من اعماله، مساهماً في أعمال تهدف إلى بناء وعي مبكر لدى الأجيال الجديدة، انطلاقاً من إيمانه بأن الثقافة تبدأ من الطفولة، مثل أغنية «علو البيارق» عام 1995، التي قدمها بالتعاون مع كورال «دار الأيتام الإسلامية». كما قدم عام 2013 «كوكتيل أغاني الأطفال» ونسخاً حديثة لأغنيات مثل «توتي توتي». وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2018، أطلق ألبوم «لما تغيبي» الذي ضم 16 أغنية منها النسخة الشهيرة لـ«كل الأطفال».
أناديكم للجنوب وفلسطين
في أغنيته «يا رايح صوب بلادي»، غنّى يوماً: «صبّح أهالي النبطية وطل الشوية عالخيام». اليوم، تعود هذه الكلمات فيما البلاد كلّها عيونها على الخيام. باتت الاغنية «طبطبةً» على كتف الجنوبيين، ونداءً خافتاً بأن تنتهي الحرب بأقل قدر ممكن من الألم. في عام 1975، وفي خضمّ الحرب الأهلية، وضع لحن «أناديكم» لتوفيق زياد، وهو في التاسعة عشرة من عمره. قرأ الديوان، تأثّر بكلمات القصيدة، لحّنها، وأسمعها لوالده الذي اقترح أن يضيف إليها نبضاً. غناها للمرة الأولى في مستشفى ميداني للجرحى والمصابين.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد «أناديكم» مجرد أغنية، بل تحوّلت إلى نشيد، وفيما الجنوب يتعرض لحرب إسرائيلية مدمّرة، تعود الأغنية لتخاطب الجنوبيين من جديد، إلى جانب أغاني أخرى لقعبور مثل «جنوبيون» و«يا رايح صوب بلادي» و«اسمع» و«ارحل»، وغيرها من أعمال وثّقت التغريبتين الفلسطينية واللبنانية.
ابن اليسار
هو ابن اليسار اللبناني، في زمنٍ شهد تحولات كبرى، وكان الفن إحدى أبرز أدوات توثيق تلك المرحلة. كان قعبور واحداً من مجموعة أسماء لا تزال تتردّد معاً: زياد الرحباني، مارسيل خليفة، وخالد الهبر. جمعهم الالتزام، والبحث عن دور للفن في التغيير، وإن اختلفت مساراتهم لاحقاً. شارك قعبور تمثيلياً في مسرحية «شي فاشل» مع زياد الرحباني، في دور الصحافي، لكن اللقاء الأبرز بينهما كان في أغنية «شو بعاد»، التي كتبها محمد العبدالله، ولحّنها وغنّاها قعبور، ووزعها زياد. وفي مقابلة إذاعية، قال الرحباني إنه يفضّل هذه الأغنية على «أناديكم».
في وداع زياد الرحباني، وقف قعبور حاملاً وردة حمراء أمام المستشفى في الحمرا، انتظره، ثم مشى خلف نعشه، وأكمل الوداع في بكفيا، وحضر وقفة تكريمية أمام إذاعة «صوت الشعب». ورغم كل المناكفات السياسية التي مرّت بينهما، بقيت العلاقة قائمة على ذاكرة مشتركة من الموسيقى والتجربة. في ذلك المشهد، بدا وكأن قعبور يودّع أيضاً مرحلة كاملة من تاريخ الفن اللبناني. مرحلة كان فيها اليسار حاضراً بقوة في الثقافة، قبل أن يبدأ هذا الحضور بالتراجع.
وفي وداع قعبور، كتب خالد الهبر أمس: «في حضرة الموت لا شيء يقال... هذا الوحش الذي يخلع عنك الأصدقاء والأحباب... أخي أحمد لا شيء يعوّض هذا الغياب... سوف أذكرك إلى الأبد...». أما مارسيل خليفة، فكتب: «أحمد الصديق الحبيب، ليكن وقت الفراق عذباً... لا تدعه يصبح موتاً بل تتمّة... إنني أنحني لك».
التحولات السياسية
سياسياً، كانت تجربة قعبور مليئة بالتناقضات والأسئلة. بدأ وعيه السياسي في مطلع السبعينيات، حين كان متطوعاً في لجان العمل الطلابي في «منظمة العمل الشيوعي»، منخرطاً في مناخ يساري عام يحمل وعود التغيير. مع اندلاع الحرب الأهلية، تقاطعت تجربته الفنية مع هذا السياق، وأصبحت الأغنية وسيلة للتعبير عن القلق الإنساني والرغبة في التغيير، وأحياناً أداة للتعبئة والهتاف.
في عام 1982، ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بقيت لديه حسرة شخصية لعدم انضمامه إلى صفوف المقاومة، في وقت كانت فيه تجربته الفنية تتبلور أكثر. وخلال الثمانينيات، ومع تصاعد العمل السياسي والثقافي، عاش تجربة مركّبة مع الجمهور والقوى السياسية، إذ تحوّلت أغانيه في كثير من الأحيان إلى جزء من مناسبات حزبية، ما خلق لديه شعوراً بالانزعاج من «ردّات الفعل الجاهزة» والتصفيق الغريزي، معتبراً أن هذه العلاقة شوّهت طبيعة الفن، وحوّلته من تعبير حر إلى أداة تعبئة.
غنّى للأم، للطفل،
للمدينة، للاجئ، للفقر، للعدالة الاجتماعية، وطبعاً لفلسطين
في التسعينيات، دخلت تجربته مرحلة جديدة اتّسمت بالجدل، خصوصاً مع أغنية «البلد ماشي» التي عُرضت على شاشة «المستقبل»، وكانت الواجهة الفنية لمشروع الحريرية السياسية. أثارت هذه الأغنية ضجّة واسعة، وأثّرت على علاقته بجزء من جمهوره اليساري، رغم تأكيده الدائم بأنه لم يهادن في الدفاع عن قضايا الفقراء. واستمر في تقديم أعمال ترويجية تعكس الرؤية الاقتصادية والسياسية لرفيق الحريري، وكان آخرها «تنين تنين».
لاحقاً، وبعد سنوات من الانخراط، اتّخذ مسافة واضحة من الأطر الحزبية والسياسية المباشرة، معيداً النظر في تجربته. انتقد أداء حركات التحرر العربية والحركة الوطنية اللبنانية، معتبراً أنها، رغم تضحياتها، ساهمت أحياناً في تحويل الناس إلى وقود لصراعاتها. شدّد على أن انتماءه لم يكن أيديولوجياً بقدر ما هو إنساني وأخلاقي، منحازاً إلى المظلومين من الفقراء واللاجئين والعمال المهمّشين.
أعاد تعريف موقعه كفنان، رافضاً أن يكون بوقاً لأي جهة سياسية، ومؤكداً أن القيمة الجمالية والإنسانية للعمل الفني هي المعيار الأساسي. عبّر عن حاجته إلى «يسار جديد» ينظر إلى الفنان كقيمة مستقلة، لا كأداة. في عام 2016، ترشّح ضمن لائحة «بيروت مدينتي»، في محاولة للمساهمة في بناء حياة سياسية بديلة قائمة على المساءلة والمحاسبة.
ابن بيروت
أما بيروت، فكانت أكثر من مكان في تجربة أحمد قعبور. كانت ذاكرة وهوية وصوتاً داخلياً. يقول في «بيروت يا بيروت» جملة تعكس ارتباط قعبور العضوي بالعاصمة فيقول «مطرح ما بدك روح بيروت هي روح».
ارتبطت المدينة لدى قعبور بالتفاصيل اليومية وبالناس الذين غنّى لهم، فحضرَت في أعماله كواقع يُعاش لا كصورة مُتخيَّلة. حين عاد إلى تراث عمر الزعنّي، كانت محاولة لإعادة تقديم هذا الإرث بروح معاصرة تُخاطب جيلاً جديداً. في نظره، لم تكن بيروت ثابتة على حال، بل مدينة تتبدّل باستمرار، تحمل تناقضاتها كما تحمل قدرتها الدائمة على الاستمرار. وبين التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها، بقيت حاضرة في أعماله كصوتٍ نقدي أحياناً، وكمساحة انتماء لا تنفصل عن تجربته الفنية.
يُصلّى على جثمانه اليوم في مسجد الخاشقجي في بيروت، ويوارى في جبانة الشهداء. تُفتح أبواب العزاء في قاعة خريجي الجامعة الأميركية في الحمرا، حيث مرّ، وغنّى، وعاش. وبين هذه الأمكنة، يمتدّ وداعه كأغنية أخيرة، لا تنتهي، تنطلق من بيروت إلى الجنوب، إلى فلسطين.
----------------------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / أحمد قعبور: ابن بيروت الذي غنّى للناس
2026-03-27





