الرئيسية / أخبار لبنان /تحقيقيات وتقارير /عفو بلا توافق… وطعن على الأبواب: ماذا ينتظر قانون العفو العام؟

جريدة صيدونيانيوز.نت / عفو بلا توافق… وطعن على الأبواب: ماذا ينتظر قانون العفو العام؟

 

Sidonianews.net

--------------------

المصدر: النهار / اسكندر خشاشو

لم تنتهِ معركة قانون العفو العام بإقراره في مجلس النواب. فالقانون الذي خرج وسط انقسام سياسي واضح، ومن دون توافق شامل بين الكتل، يدخل الآن مرحلة جديدة: هل يوقّعه رئيس الجمهورية، أم يرده إلى المجلس النيابي، أم يذهب المعترضون إلى الطعن فيه أمام المجلس الدستوري؟

غياب التوافق السياسي لا يعني حكماً أن القانون غير دستوري. فالعفو العام من صلاحية مجلس النواب، والمطلوب اليوم ليس البحث في مدى اتفاق القوى السياسية عليه، بل في مدى توافق الصيغة التي أُقرت مع الدستور، وخصوصاً لناحية المساواة بين المواطنين، واستقلال القضاء، وحقوق الضحايا.

والفرق أساسي بين الرد والطعن. فرئيس الجمهورية يستطيع، من ضمن المهلة الدستورية، ردّ القانون إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه، لكن المجلس يستطيع إعادة إقراره وفق الأصول. أما الطعن أمام المجلس الدستوري، فيستند إلى وجود مخالفة دستورية، ويمكن أن يستهدف القانون كله أو مواد محددة منه.

أين تكمن الإشكاليات؟

المادة الأولى تمنح عفواً واسعاً عن الجرائم المشمولة بالقانون، فتسقط الدعوى العامة والملاحقات والأحكام والعقوبات. ولا تكمن المشكلة في مبدأ العفو بحد ذاته، بل في كيفية تحديد الجرائم والأشخاص المستفيدين منه.

 وتبرز المادة الثانية بوصفها من أكثر المواد حساسية، لأنها تحدد الجرائم المستثناة من العفو، ومنها القتل العمد وجرائم الإرهاب والاعتداء على العسكريين والقوى الأمنية والجرائم التي تدخل في اختصاص المجلس العدلي. وهنا يمكن أن يطرح الطعن سؤالاً حول مدى احترام مبدأ المساواة، وما إذا كانت الفوارق التي وضعها المشرّع تستند إلى معايير موضوعية ومبررة.

أما المادة الثالثة، فتتعلق بخفض العقوبات في بعض الجرائم غير المشمولة بالعفو، بما فيها تحويل عقوبة الإعدام إلى السجن وخفض عقوبات أخرى. والإشكالية المحتملة هنا هي مدى تدخل المشرّع في أحكام قضائية قائمة، وما إذا كانت الصيغة المعتمدة تحقق المساواة بين المحكومين.

وتبرز أيضاً المادة الخاصة بالموقوفين الذين أمضوا سنوات طوال من دون محاكمة نهائية. فقد خفّض المجلس النيابي مدة التوقيف المطلوبة للإفادة من تخلية السبيل من 14 إلى 12 سنة. هذه المادة تلامس مشكلة حقيقية في السجون اللبنانية، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً حول حدود تدخل السلطة التشريعية في ملفات لا تزال أمام القضاء.

 وماذا عن حقوق الضحايا؟

أبقى القانون على الحقوق الشخصية للضحايا في حالات معينة، بما يعني أن سقوط الحق العام لا يلغي تلقائياً الحقوق المدنية. وهذه نقطة أساسية، لأن العفو العام لا يفترض أن يمحو كل آثار الجريمة أو أن يلغي حقوق المتضررين.

 ومن هنا، قد لا يكون الطعن موجهاً إلى مبدأ العفو نفسه، بل إلى بعض الآليات التي اعتمدها القانون لتحديد المستفيدين، وخفض العقوبات، وتخلية السبيل، والتعامل مع الأحكام القضائية.

لكن ماذا عن التكلفة السياسية؟

خلف المسار الدستوري حسابات سياسية لا تقل تعقيداً. فأي جهة تدفع باتجاه ردّ القانون أو الطعن فيه تعرف أنها قد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الطائفة السنية ومعظم ممثليها السياسيين، الذين ينظرون إلى القانون بوصفه استجابة أساسية لملف الموقوفين والمحكومين الإسلاميين.

 وبالتالي، فإن تحويل المعركة إلى مواجهة حول القانون قد يُفهم سياسياً على أنه استهداف لمطلب سني، حتى لو كانت الاعتراضات المطروحة ذات طابع دستوري أو قانوني بحت.

وهذه التكلفة السياسية تحديداً تفسّر جانباً من التريث في اتخاذ قرار الطعن أو الرد. فالمسألة لم تعد فقط: هل هناك مواد قابلة للطعن؟ بل أيضاً: من يملك القدرة على خوض هذه المعركة من دون أن يوضع تلقائياً في مواجهة مع الشارع السني ومع ممثليه في البرلمان؟

 لذلك، يبقى القرار معلّقاً بين اعتبارات قانونية تدفع نحو مراجعة بعض المواد، وحسابات سياسية تجعل الإقدام على الرد أو الطعن أكثر صعوبة.

 هل يردّه الرئيس؟

سياسياً، يملك رئيس الجمهورية خيار الرد، خصوصاً أن القانون لم يمر بتوافق نيابي شامل. وهو قرار لم يتخذ بعد، لكن الردّ لا يعني إسقاطه نهائياً، بل يعيد فتح النقاش في مجلس النواب، حيث يمكن إعادة إقراره وفق الأصول.

أما الطعن، فيحتاج إلى تأمين عشرة نواب لتقديم المراجعة أمام المجلس الدستوري. وقد بدأ تداول هذا الخيار في ظل الاعتراضات السياسية والقانونية على عدد من المواد، وهذا ما بدأ "التيار الوطني الحر" بدراسته.

لذلك، فإن المعركة المقبلة قد لا تكون في مجلس النواب بل في المجلس الدستوري. فالقانون وُلد من دون إجماع سياسي، لكن هذا لا يجعله ساقطاً حكماً. الاختبار الحقيقي سيكون في قدرته على الصمود دستورياً: هل احترم المشرّع مبدأ المساواة، وحقوق الضحايا، واستقلال القضاء، أم تجاوزها تحت عنوان العفو العام؟

وفي موازاة السؤال القانوني، يبقى السؤال السياسي أكثر حساسيةً: هل يمكن أي طرف أن يطعن في القانون أو يطلب ردّه من دون أن يتحول، تلقائياً، إلى طرف في مواجهة مع البيئة السنية التي جعلت من العفو أحد أبرز مطالبها؟

 هنا تحديداً سيتحدد مصير القانون: ردّ رئاسي يعيد النقاش السياسي، أم طعن دستوري يضع نصوصه أمام اختبار قانوني أكثر صرامة، أم تسوية جديدة تؤجل المواجهة وتحاول تحصين القانون قبل وصوله إلى أي من المسارين؟

---------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / عفو بلا توافق… وطعن على الأبواب: ماذا ينتظر قانون العفو العام؟

 

 

2026-08-26

دلالات: