الرئيسية / أخبار لبنان /مقالات /مفاوضات التصادمات القاتلة

جريدة صيدونيانيوز.نت / مفاوضات التصادمات القاتلة

 

Sidonianews.net

---------------------

الجمهورية 

عبدالله ريشا

أمين عام المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية

قاعدة واحدة حكمت مسارات التفاوض والاتفاقات، مَن يجلس على الطاولة، عليه امتلاك القرار وآليات تنفيذه. من اتفاقية ميونيخ عام 1983 بين إنكلترا وفرنسا وألمانيا، عن أراضي تشيكوسلوفاكيا التي لم تكن جالسة على الطاولة، إلى اتفاقيات الصخيرات الليبية عام 2015، من دون خليفة حفتر الممسك بزمام الأرض والعسكر، إلى اتفاق مالي الجزائر عام 2015، في غياب الميليشيات المحلية الضابطة لإيقاع الميدان، هي وغيرها من الاتفاقيات والمفاوضات التي سقطت بفعل غياب الجهات المسيطرة على الأرض.

 

في لبنان، جردة حساب من نوع آخر: جهات داخلية فاوضت دولاً إقليمية، حكومات لبنان عقدت اتفاقات، منها مَن ترجمت واقعاً سياسياً، ومنها مَن سقطت بالضربة القاضية الميدانية. تعدَّدت الظروف وتبقى القاعدة واحدة. اتفاق الهدنة عام 1949 تأمّنت فيه ظروف النجاح: وحدة داخلية ضمن شهر عسل ميثاقي مستمر بين رياض الصلح وبشارة الخوري، وجيش شهابي قوي توغل في الأراضي الإسرائيلية ليحقق التوازن المنشود، سلطة تمسك بكامل الميدان، أنتجت اتفاقية حقق استمرارها، 20 سنة، رقماً قياسياً في الحياة السياسية اللبنانية.

ظروف لم تتكرَّر إلّا مرّات قليلة. فاتفاق القاهرة 1969، الذي أطلق رصاصة الرحمة على اتفاقية الهدنة، عام 1949 لم يدم إلّا أشهراً قليلة، بفعل تغيير الظروف وبروز قوى داخلية تداخلت في الميدان.

عام 1983 أدركت إسرائيل متأخّرة أنّ إبرام اتفاقية مع حكومة لا تمسك بالأرض أمر لن يؤدّي إلى النتيجة المطلوبة. فأضافت عبارة الانسحاب السوري في اللحظة الأخيرة، من خلال الورقة الجانبية. حاولت الحكومة استرداد العاصمة، فاصطدم الجيش بحركة «أمل» و»التقدمي الاشتراكي»، وكان السقوط في 6 شباط 1984 أمام حلفاء دمشق، أُلغي الاتفاق لاحقاً. ولم تحقق إسرائيل من اتفاق 17 أيار إلّا صدامات داخلية من الشحار الغربي إلى حرب الجبل، لتنكفئ جنوباً هرباً من رمال بيروت المتحرِّكة.

عام 1985، سقطت سوريا في الفخ نفسه، على رغم من تجربتها وخبراتها في الملف اللبناني المعقّد. أرادت استباق الحل اللبناني على غير توقيت الطائف السعودي، من دون غطاء إقليمي، وعلى رغم من تشابه نصَّي الاتفاق الثلاثي واتفاق الطائف، لم تكن النتيجة محسومة ومحسوبة، فاوضت دمشق الميليشيات الدرزية والشيعية والمارونية من دون أن تدرك أنّ المناطق الشرقية لا تسير من دون رئيس هيئة أركانها وغياب المؤتمن على شرعية جمهوريّتها، ولم تعرف أنّ إيلي حبيقة لم يكن يسيطر على الميدان. انتفضت الأركان بقيادة سمير جعجع، واعترضت الشرعية برئاسة أمين الجميل، وسقط الاتفاق الثلاثي بفعل غياب ضابطي الإيقاع عن طاولة المفاوضات، لتسقط معه فرصة تفادي صراع الأخوة وسقوط الشرعية بعد سنوات قليلة.

إذا ما أسقطنا معادلات التاريخ التي غالباً ما تعيد نفسها، نقف اليوم عند تصادم قاتل بين مَن يمتلك الشرعية ومَن يمتلك القوّة، بين المحصَّن بالدستور والمدعَّم بالعقيدة، بين الخائف على الوطن والدولة والخائف على الأرض والوجود. ستوقّع الحكومة عن «حزب الله» كما وقّعت حكومة شفيق الوزان، عن سوريا وحلفائها اللبنانيِّين، وكما فاوض الثلاثي الممثّل للجغرافيا المسلحة عن سمير جعجع وأمين الجميل.

ربما الوقت لم يفُت لاستعادة اتفاق بشارة الخوري ورياض الصلح عند توقيع هدنة 1949، أو تكامل إلياس الهراوي ورفيق الحريري ونبيه بري عند توقيع اتفاقية نيسان 1996، قد نكون على أبواب صفقة تاريخية بين الولايات المتحدة وإيران، ستنعكس إيجاباً على الملف اللبناني، مع دور سعودي متقدِّم لإعادة إحياء اتفاق الطائف. احتمالات إيجابية، تخترق خطورة ودقة المرحلة، وبعيداً عن إلقاء التهم المتبادلة بالخيانة والسقوط أو المقامرة والارتهان، وبعيداً عن جنوح التواصل الاجتماعي المدمِّر للقلوب والعقول ومقتضيات العيش الواحد، علّنا نُنتج هذه المرّة تسوية ضامنة، مبنية على مفهوم جديد للأمن القومي اللبناني، يحفظ الوطن من لعنة التصادمات القاتلة.

------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / مفاوضات التصادمات القاتلة

 

 

2026-05-08

دلالات: