الرئيسية / أخبار لبنان /مقالات /أيام في الشام

جريدة صيدونيانيوز.نت / أيام في الشام

 

Sidonianews.net

---------------------

الجمهورية

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

لا تكفي أربعة أيام في دمشق للحُكم على الوضع فيها، في ظل نظام جديد يشق طريقه بثبات وحذر، ليوطّد سلطته ويؤكّد للرأي العام الدولي والعربي، وللشعب السوري، أنّه قادر على الإمساك بزمام الأمور، والسير بالبلاد قدماً نحو الحداثة والديموقراطية. لكنّ الأيام التي أمضيناها في دمشق، بدعوة من اتحاد الصحافيّين السوريّين، الذي استضاف لجنة الحرّيات في الاتحاد العام للصحافيّين العرب، لمناسبة إطلاق تقريرها عن حال الحرّيات الصحافية والإعلامية في العالم العربي عن العامين 2025 و2026 تحت عنوان «إعلان دمشق»، سمحت قدر الإمكان بتكوين فكرة أولية عن تطوُّر الوضع في سوريا، وهي فكرة تحتاج إلى مزيد من البلورة والتمحيص، والمعطيات.

يعرف القيّمون على الحكم، أنّ هناك تحدّيات كبيرة في انتظارهم، ولا بدّ من تجاوزها ليستقر الوضع السياسي الولاد لكل أنواع الاستقرار أو عدم الاستقرار. ويتخوَّف هؤلاء ممّا تبيته إسرائيل وما تسعى إليه، لمنع سوريا من استعادة دورها المحوري عربياً، وزعزعة أمل المجتمع الدولي بها، من خلال قضم أراضٍ في الجولان ومرتفعات جبل الشيخ، واللعب على أوتار الفتن الطائفية والمذهبية في السويداء، ومواصلة إثارة الشكوك بين مكوّنات هذه الدولة. وبالتالي، فإنّ الفريق الحاكم في سوريا يعمل بما أوتي من وسائل واتصالات على فكفكة الألغام، والسير بتأنٍّ وسط حقولها، ومحاذرة الوقوع في الفخاخ المنصوبة له، لأنّه يدرك أنّه تحت: «المجهر الدولي» الذي يرصد حركته ويحصي عليه أنفاسه السياسية، على الرغم من مهارته في الإفادة من الهوامش المتاحة له. 

من هنا، فإنّ الرئيس أحمد الشرع، الذي كان يتوقع دعماً دولياً وعربياً كبيراً لإعادة إعمار البلاد وإطلاق دينامية اقتصادية، خيّبته التطوُّرات المتسارعة في منطقة الخليج، وارتفاع منسوب التوتر الدولي - الإقليمي التي تسبَّبت في تقنين المساعدات الموعودة إلى حدّ كبير. وهذا ما دفعه إلى «الجود من الموجود»، فانصرف انطلاقاً من الإمكانات المتوافرة لديه إلى العمل الجاد لإصلاح البنى التحتية التي تضرَّرت منذ بدء الثورة في سوريا وما قبل، وبناء الجسور والأنفاق، ومعالجة الصرف الصحي، وتنظيم حركة المرور، واللافت هو تنظيم المعابر الحدودية البرية، من خلال ترميم المباني وتحديثها ومكننة العمل فيها، وكذلك تأهيل الطريق الحدودية مع لبنان وإنارتها. ويبقى العمل على تأهيل «الكادر» البشري من الجيل الشاب الذي كان مناصراً للثورة، والذي يحضر لتسلّم مواقع قيادية ووسيطة في هرمية السلطة الجديدة. 

وقد تسنّى لنا، ونحن في دمشق، أن نطّلع على ما يُرسم للإعلام السوري في المرحلة المقبلة، والذي يرتكز إلى الآتي:

أ- قانون جديد للإعلام، يوفّر حصانة للعاملين فيه بضمان القيام بعملهم بكل حرّية، وعدم اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرّية، ووضع مدونة سلوك يلتزم بها العاملون في المهنة، واحترام التنوُّع والحفاظ عليه، من خلال احترام الرأي والرأي الآخر، والذهاب من الإعلام الرسمي إلى الإعلام العمومي، إعلام الدولة، وليس إعلام المسؤول. كما ضمان الحق في الوصول إلى المعلومات. بالإضافة إلى التمسّك بوحدة الجسم الإعلامي، من خلال رفض التعدُّدية النقابية التي تزيده تشرذماً. وهذا التطوُّر هو عكس ما نشهده في لبنان من إصرار البعض على تقديم الاعتبارات الخاصة على الاعتبارات العاملة في ما يتعلّق بملف الإعلام وقانونه، وإيثارهم إنزال عقوبة السجن بالإعلاميين وشرذمة الجسم الإعلامي وتقسيمه بدعم من الاتحاد الدولي للصحافيّين، وبعض مؤسسات المجتمع المدني.

ب- إطلاق ورشة تحديث ورقمنة وأرشفة الإعلام السوري، بدءاً من وكالة «سانا» والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، والتوجُّه إلى المواطن والإضاءة على همومه واهتماماته، وانتقاد أي تأثير في أداء القطاع العام، والتركيز على المناطق السورية كافة لا العاصمة أو المدن الرئيسة فحسب، لمعرفة احتياجاتها والوقوف على معاناتها. وتوسيع مساحة الحرّية في البرامج السياسية والاجتماعية، وتشجيع الانتقاد والجهر بالرأي المعاكس.

ج- سورنة قطاع الإعلام، بحيث تلتزم وسائل الإعلام العربية والأجنبية الراغبة في فتح مكاتب لها في دمشق، بتعيين سوري على رأس هذه المكاتب، وأن تلامس نسبة السوريّين فيها السبعين في المائة.

إنّ هذه الصورة الواعدة على المستوى الإعلامي، تقابلها صورة بائسة على المستوى المعيشي، حيث تتفشى البطالة، ويستعر الغلاء، وتتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين. وهو أمر لا ينفيه المعنيون ويوردون أسبابه، ويعتبرون أنّ عامل الوقت كفيل بتبديد هذه السلبيات، إذا وفت الجهات الدولية والعربية بالتزاماتها، وأغدقت عليها المساعدات خصوصاً في مجال إعادة الإعمار. ويُلاحظ أيضاً، أنّه كانت هناك مخاوف من فتن أهلية، انطلاقاً ممّا حصل بعيد مغادرة بشار الأسد الحكم وانتصار الثورة، لكنّ المشهد اليوم غير ما هو عليه بالأمس، فلم تُسجّل في الأشهر الماضية أي حالة إكراه أو تعدٍّ على أي مجموعة طائفية. على أنّ كل سوري يمارس طقوسه وشعائره الدينية من دون مضايقة، خصوصاً بعدما طويت أحداث الساحل (مع أنّ أحداً لا يمكنه التكهُّن هل أنّ ذلك سيكون دائماً أو موقتاً بحسب تبدُّل السياسات وموازين القوى). ولم يتبقَّ من الملفات المثيرة للقلق إلّا ملف السويداء، الذي تخطّت حساباته حدود سوريا ليصبح بنداً رئيساً على طاولة الصراع المحتدم في المنطقة.

وإذا كان من الصعوبة بمكان الإحاطة بكامل الوضع في سوريا لارتباطه بالتحوُّلات والتجاذبات في المنطقة وحسابات واشنطن وموسكو وأنقرة وتل أبيب، وإيران، والدول المجاورة، فإنّ ما يمكن قوله، إنّ الرئيس الشرع ومعاونيه يعملون بذكاء، ويجيدون التعاطي مع الرأي العام، ويسعون إلى سدّ الثغر التي تضيق عليهم المخارج، ويعطون انطباعاً أنّهم جاؤوا لا ليخلفوا من سبقهم إلى السلطة، بل لإنهاء معاناة الناس، وفتح آفاق جديدة لسوريا الجديدة. وإنّ الأمر ليس بالسهولة التي يظنّ البعض، وهناك عمل كبير لإزالة أي شك والتباس. وفي انتظار أن يتضح الموقف، وتتبدَّد كل التساؤلات يبقى التحدّي أن يستمر الحكم في سوريا على زخمه، والتحرُّك ضمن الهامش المتاح له، إلى أن تتشكّل الصورة التي ستستقرّ عليها الأوضاع في المنطقة.

------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان والعالم العربي / أيام في الشام

 

 

 

2026-10-21

دلالات: