Sidonianews.net
---------------------
الجمهورية / طوني عيسى
تحضيراً لجولة المفاوضات اليوم، في واشنطن، أطلقت إسرائيل موجة من «الترغيب» في وجه الدولة اللبنانية، وبشكل غير مبرّر. فهي لوّحت بانسحابات «رمزية» ومناطق تجريبية (قلعة الشقيف ومحيط علي الطاهر)، وأطلقت إشارات الاستعداد لتسليم الجيش اللبناني «مناطق تجريبية». لكن خلف هذه الواجهة، يؤكّد بنيامين نتنياهو أن لا انسحاب وارداً من المنطقة الأمنية. وهنا يكمن السؤال: هل يفكر الإسرائيليون فعلاً في تقديم تنازلات حقيقية جنوباً، وفي التزام وقف النار والانسحاب، بعدما بذلوا الجهود الشاقة وتكبّدوا الأكلاف الباهظة للسيطرة والتوغل في عمق أعماق الجنوب؟
تتعمّد إسرائيل في الساعات الأخيرة إظهار «نيات حسنة» تجاه الدولة اللبنانية، في الشكل طبعاً، من خلال التزامها (النسبي) وقف النار ووعودها بالانسحاب «الرمزي» أو «المحدود» من مناطق في الجنوب. لكن هذه الوعود ليست في الواقع سوى «شيكات بلا رصيد» وإغراءات صوَرية، هدفها استدراج لبنان إلى تقديم التنازلات الكبرى المطلوبة في المفاوضات، تحت عنوانين أساسيين: الترتيبات الأمنية في الجنوب ونزع السلاح، وانخراط لبنان في مسارات السلام السياسية والاقتصادية المرسومة للشرق الأوسط، بدعم أميركي.
عملياً، لم يتلفظ المسؤولون الإسرائيليون حتى الآن بأي تعهد بالانسحاب «الحقيقي»، أي الكامل، من الجنوب. وتبقى الورقة الأقوى في أيديهم هي التذرّع بسلاح «حزب الله». وبما أنّ الدولة اللبنانية لا تملك القدرة، ولا حتى الإرادة على الأرجح، لفرض معادلة نزع السلاح، فإنّها تدخل المفاوضات من موقع الضعيف العاجز عن مواجهة الإملاءات والشروط الإسرائيلية.
تعيش الدولة اللبنانية حالاً من الإرباك المكشوف. فهي طبعاً ليست مقتنعة بنيات إسرائيل التزام وقف النار أو الانسحاب، وتعرف أنّها تستخدم أسلوب «القضم» التكتيكي لتغيير وقائع الجغرافيا والديموغرافيا والأمن. لكن الدولة في الوقت نفسه ليست مقتنعة أيضاً بسلوك «الحزب» الذي يمنح إسرائيل «ذريعة ذهبية» للبقاء والتدمير والتهجير والتوسع. ولكن، في أي حال، الدولة مضطرة إلى قبول واقع التحاور مع «الحزب» مباشرة وعبر الرئيس نبيه بري، في محاولة لتقليل الأضرار.
اليوم، عندما يجلس المفاوض اللبناني الأعزل تماماً من أي أوراق قوة، أمام نظيره الإسرائيلي الذي يمتلك ورقة احتلال أجزاء واسعة من الأرض، والمدعوم أميركياً، ستسقط كل حجج لبنان القانونية والدولية أمام منطق القوة. ففي الواقع، لا شيء يجبر إسرائيل على تقديم أي تنازل جنوباً، فيما هي تستخدم معادلة «التهديد المتبادل» بينها وبين «حزب الله»، وتعتبرها أفضل ذريعة لكسب الدعم الدولي. فكلما تمسّك «الحزب» بسلاحه، تحت شعار «المقاومة»، ازدادت إسرائيل تمسكاً بهذه الذريعة للحصول على مزيد من التغطية الدولية، واستمرار التوسع وقضم الأرض، تحت شعار «الضرورة الأمنية».
وفي الواقع، يدفع لبنان غالياً جداً فاتورة تراخي الدولة وتعرّض مؤسساتها وأجهزتها لعمليات اختراق عميقة وواسعة من الداخل لعقود عدة. واعتراف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بأنّ «شيعة لبنان قدّموا 4 آلاف شهيد دفاعاً عن إيران»، يشكّل ضربة قاتلة لجهود لبنان في تصوير حرب الجنوب دفاعاً عن الأرض، وهي تأكيد مباشر على أنّ الحرب التي يخوضها «حزب الله» هي «حرب إسناد» إقليمية. والصدمة الحقيقية ليست فقط في الاعتراف الإيراني، بل في غياب أي صوت من لبنان يصحّح الصورة، ويعلن أنّ الدم يُهدر دفاعاً عن لبنان وجنوبه، لا وقوداً لمفاوضات طهران في سويسرا.
جدلية العجز اللبناني تتجلّى في ثنائية عبثية: المفاوض اللبناني عاجز عن مواجهة إسرائيل على الطاولة في واشنطن، و«حزب الله» من جهته عاجز عن ردع إسرائيل عن التدمير والتهجير والتوغل في قرى الجنوب إلى حدود غير معروفة. وفي الوقت نفسه، لا الدولة قادرة على إقناع «الحزب» بخيارها التفاوضي، لأنّه يفضّل التماهي مع موقف إيران لا موقف الدولة، ولا «الحزب» قادر على دفع الدولة إلى خيار القتال، لأنّه لا ينتج إلّا تدميراً وتهجيراً وخسارة مزيد من الأرض وما عليها.
وفي عبارة أخرى، لن تفرض واشنطن على إسرائيل أن تنسحب من الجنوب، ولا إسرائيل نفسها ستبادر إلى الانسحاب، أياً كانت الظروف، بل إنّها مرتاحة ضمناً إلى واقع الانشقاق اللبناني العميق حول السلاح. وثمة من يقول: من مصلحة إسرائيل أن يكون هناك سلاح في يد «الحزب» في الداخل اللبناني، ولكنْ يبقى ضعيفاً ومحاصراً ومحصوراً، وبعيداً منها خلف خطوط الليطاني والزهراني والأولي. ففي هذه الحال، ستبقى محتفظة بالذريعة حتى إشعار آخر، وستستمر في احتلال الأرض وفرض الخيارات، فيما لبنان عاجز عن مواجهتها، سواء بدولته ديبلوماسياً أو بـ»حزبه» قتالياً.
-------------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / من يُجبر إسرائيل على الانسحاب؟
2026-06-23





