الرئيسية / أخبار صيدا /مقالات /بالصور : خليل المتبولي : الخامس من حزيران 1967: حين انكسر الحلم العربي وما زالت الشظايا تتناثر

جريدة صيدونيانيوز.نت / بالصور : خليل المتبولي : الخامس من حزيران 1967: حين انكسر الحلم العربي وما زالت الشظايا تتناثر

 

Sidonianews.net

--------------------

بقلم : خليل ابراهيم المتبولي

في الخامس من حزيران عام 1967، لم تستيقظ الأمة العربية على حربٍ عابرة من حروب القرن العشرين، بل استيقظت على زلزالٍ سياسي ونفسي وحضاري غيّر وجه المنطقة لعقود طويلة. كان ذلك اليوم لحظة فاصلة بين زمنين: زمن الأحلام الكبرى والشعارات المدوّية، وزمن المراجعات القاسية والأسئلة المؤلمة التي ما زالت تتردد أصداؤها حتى يومنا هذا.

قبل الحرب، كانت الجماهير العربية تعيش حالة من التفاؤل العارم. ارتفعت رايات القومية العربية، وتعالت الخطابات التي بشّرت بوحدة الأمة وقوتها وقدرتها على مواجهة التحديات. كانت الشوارع العربية تنبض بالحماسة، وكانت الإذاعات تملأ الأجواء بأغاني النصر القادم. بدا وكأن التاريخ يسير في اتجاه تحقيق الحلم العربي الكبير.

لكن الحرب التي لم تستمر سوى ستة أيام كانت كافية لتقلب المشهد كله. فقد خسر العرب مساحات واسعة من الأراضي، وسقطت القدس الشرقية تحت الاحتلال، ووجدت الشعوب نفسها أمام واقع لم تكن مستعدة لتصديقه. لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل كانت هزيمة للوعي السياسي الذي ظن أن الشعارات وحدها قادرة على صناعة الانتصارات.

منذ ذلك اليوم، دخل العالم العربي مرحلة جديدة من التأمل والبحث عن الأسباب. بدأت الأسئلة الكبرى تفرض نفسها: كيف انهزمنا بهذه السرعة؟ أين أخطأنا؟ هل كانت المشكلة في الإمكانات أم في الإدارة؟ في الخطاب أم في الواقع؟ في غياب الديمقراطية أم في ضعف المؤسسات؟ كانت تلك الأسئلة بداية مراجعة تاريخية ما زالت مستمرة حتى الآن.

لقد تركت نكسة حزيران جرحًا عميقًا في الوجدان العربي. تحوّلت القصائد والأغاني والروايات إلى مرآة للألم الجماعي. كتب الأدباء عن الانكسار، وتحدّث المفكرون عن ضرورة النقد الذاتي، وأدرك كثيرون أن بناء الأمم لا يقوم على الحماسة وحدها، بل على العلم والتخطيط والمؤسسات والكفاءة.

ومع مرور السنوات، لم تتوقف تداعيات الخامس من حزيران عند حدود الماضي. فما نعيشه اليوم في أجزاء واسعة من العالم العربي يحمل، بصورة أو بأخرى، ظلال تلك اللحظة التاريخية. فما زالت المنطقة تعاني من الانقسامات السياسية، والصراعات الداخلية، وتضارب المصالح، وضعف العمل العربي المشترك. وما زالت قضايا الأمة الكبرى تواجه تحديات هائلة في ظل نظام دولي متغيّر وتوازنات إقليميّة معقدة.

إن إسقاطات عام 1967 على واقعنا الحالي تبدو واضحة لمن يتأمل المشهد العربي المعاصر. فالدروس التي لم تُستوعب بالكامل تعود لتفرض نفسها بأشكال جديدة. فالأمم التي لا تبني قوتها على المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد المتين تبقى عرضة للهشاشة مهما ارتفعت شعاراتها. والدول التي تغيب فيها المؤسسات الفاعلة تصبح أقل قدرة على مواجهة الأزمات. أما المجتمعات التي تستبدل النقد البنّاء بالتبرير المستمر فإنها تكرر أخطاءها وإن اختلفت الظروف والأزمنة.

ومع ذلك، فإن ذكرى الخامس من حزيران لا ينبغي أن تكون مناسبة لاستحضار الهزيمة فقط، بل فرصة لاستحضار القدرة على النهوض أيضاً. فالتاريخ يعلّمنا أنّ الأمم لا تُقاس بعدد انتكاساتها، بل بقدرتها على التعلّم منها. وقد شهدت الأمة العربية في مراحل مختلفة نماذج من الصمود والإرادة والقدرة على تجاوز المحن، مما يؤكد أن الهزائم ليست قدرًا أبديًا، بل محطات يمكن تحويلها إلى دروس تؤسّس لمستقبل أفضل.

بعد تسعة وخمسين عامًا تقريبًا على تلك الحرب، ما زال الخامس من حزيران حاضرًا في الذاكرة العربية، ليس كتاريخ عسكري فحسب، بل كرمزٍ لضرورة المراجعة الدائمة. إنه يذكّرنا بأنّ الفجوة بين الحلم والواقع لا تُردم بالخطب، بل بالعمل. وأن الأوطان تُبنى بالعقول قبل العواطف، وبالمعرفة قبل الشعارات، وبوحدة الهدف قبل ضجيج الاختلافات.

وهكذا يبقى الخامس من حزيران صفحة مؤلمة من التاريخ العربي، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في البكاء على ما حدث، بل في القدرة على فهمه واستخلاص العبر منه. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها وتحسن قراءة تاريخها تكون أقدر على صناعة مستقبلها، أما التي تنسى دروس الماضي فإنها تخاطر بأن تجد نفسها، مرة أخرى، أمام الهزائم ذاتها وإن تغيّرت الأسماء والعناوين.

------------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / خليل المتبولي : الخامس من حزيران 1967: حين انكسر الحلم العربي وما زالت الشظايا تتناثر

 

2026-06-06

دلالات: