الرئيسية / أخبار لبنان /تحقيقيات وتقارير /مناخٌ سعوديّ - إيراني جديد يلفح لبنان

جريدة صيدونيانيوز.نت / مناخٌ سعوديّ - إيراني جديد يلفح لبنان

 

Sidonianews.net

----------------------

الجمهورية / جوني منير

يستعد لبنان للمشاركة في اللقاء الثالث التفاوضي المباشر مع إسرائيل برئاسة السفير سيمون كرم، والذي يُعتبر بمثابة الجولة الأولى الفعلية، بعد جولتين تحضيريتين حصلتا على مستوى سفيري البلدين في الولايات المتحدة الأميركية. لكن المطلب اللبناني بإلزام إسرائيل بوقف ثابت وكامل لإطلاق النار، في مقابل موقف إسرائيل المدعوم أميركياً بإلزام لبنان بوضع برنامج زمني معقول لنزع سلاح «حزب الله»، يجعلان الهوة كبيرة جداً، ما يدفع للإستنتاج المسبق بأنّ نتيجة الجلسة ستكون تثبيت مطالب كل طرف لكن من دون تحقيق أي تقدّم حقيقي. وقد تكون النتيجة الوحيدة، تكريس فصل الجبهة اللبنانية عن الإيرانية، وهو ما ترفضه طهران بقوة، إضافة إلى حقيقة أخرى بأنّ المفاوضات تجري تحت النار.

يدرك لبنان وكذلك واشنطن، أنّ إيران هي مَن تتحكّم فعلاً بالمجريات الميدانية في جنوب لبنان. لكن هذا لن يمنع من إظهار فك ارتباط «رسمي»، في الوقت الذي تخوض فيه الإدارة الأميركية مفاوضات صعبة وغامضة مع إيران. وفي وقت تتأرجح الأجواء التفاوضية بين بشائر الإنفراج والتهديد بانفجار الأوضاع مجدداً، وصلت أولى التقييمات الإيرانية إلى بيروت. فرئيس مجلس النواب نبيه بري سمع من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حصول بعض التقدّم، لكن المسافة لا تزال بعيدة من خط النهاية. وكذلك أبلغت طهران إلى قيادة «حزب الله» أجواء مشابهة، تتحدث عن تحقيق تفاهم حول عدد من النقاط، لكن لا يزال من المبكر جداً الحديث عن إنجاز كل نقاط الإتفاق.

في العلم السياسي ثمة نظرية سياسية مفادها الآتي: عندما يصل المتحاربان إلى المرحلة المضرّة بهما، وعندما يقتنع كلاهما بأنّ الوسائل العسكرية باتت عاجزة عن تحقيق النصر الميداني لأي منهما، عندها يشق خيار التفاوض طريقه، ويوضع على الطاولة كخيار عملي وحيد. وهنا يصح طرح السؤال الفعلي: هل باتت كل من واشنطن وطهران على اقتناع بأنّ مرحلة التفاوض قد آن أوانها فعلاً، أم أنّ كلاً منهما ما زال يعتقد أنّها ما زالت قادرة على تحمّل مزيد من التكاليف، وبالتالي الإندفاع أكثر في خيار المواجهة العسكرية؟ المناوشات العسكرية التي حصلت في مضيق هرمز لم تسمح باستخلاص جواب واضح عن هذا السؤال. فالإندفاع في إطلاق النار أوحى أنّ خيار الحرب لا يزال حاضراً على الطاولة، كما أنّ حصر المناوشات تحت سقف مضبوط أوحى العكس. لذلك يبدو المشهد أقرب إلى التوصيف القائل إنّ المنطقة تعيش توازن حافة الهاوية، أي توتراً مرتفعاً جداً وممزوجاً برغبة دولية وإقليمية بعدم الإنزلاق في اتجاه الحرب والإنفجار الشامل مجدداً، إلّا إذا فُرض بالقوة أو حدث خطأ كبير.

وفي الوقت الذي راهنت طهران على ورقة مضيق هرمز والتعويل على الوقت للي ذراع ترامب، كانت الإدارة الأميركية تعمل على قلب المعادلة من خلال حصار الساحل الإيراني، والرهان على الوقت أيضاً، لإخضاع القيادة الإيرانية من خلال تآكل القدرات الإقتصادية. ولا جدال في أنّ رهان ترامب مع بداية الحرب على حملة جوية سريعة تؤدي إلى سقوط القيادة الإيرانية قد فشل. فترامب كان يبحث عن نسخة إيرانية من رئيسة فنزويلا، لكنه اصطدم بواقع آخر، حيث وجد نفسه أمام نسخ متعددة من زعيم كوريا الشمالية، بعد نجاح عمليات اغتيال المرشد ومعظم رجالات القيادة الإيرانية. لم يحسن ترامب التقدير بأنّ للنظام الديني حوافز مختلفة كلياً عن تلك التي ترتكز عليها الأنظمة المدنية.

والحصار البحري الذي بات الخيار المفضّل لترامب في المدى القريب، يحتاج إلى وقت لكي يعطي مردوده المطلوب. لكن عامل الوقت هو الخصم الأول لترامب. فالإنتخابات النصفية على الأبواب، ورصيده الداخلي أصابه التآكل السريع، ما انعكس مباشرة على التأييد الشعبي لحزبه. ومع ذلك، هنالك من يرى أنّ هذا الوضع الضاغط على ترامب قد يدفعه لسلوك متهور «طالما الخسارة الإنتخابية باتت واقعة»، ما قد يدفعه للإرتداد في اتجاه الحرب من جديد، غير آبه بسلبياتها.

وتدرك طهران أنّ ترامب يسعى لاتفاق نووي مختلف عن ذاك الذي تمّ إقراره خلال ولاية سلفه باراك أوباما، لتسويقه كانتصار. وفي الوقت نفسه لا يستبعد المراقبون استعادة خطوط التواصل الخلفية حرارتها بين الحزب الديموقراطي وطهران، وفق تقاطع المصالح، والذي يرتكز على حرمان ترامب من أي انتصار صريح وواضح، قادر على تسويقه في الحملات الإنتخابية.

وبعيداً من المشهد التفاوضي المعقّد بين واشنطن وطهران، إلّا أنّه لا يمكن إغفال الخريطة السياسية التي يُعاد تشكيلها في المنطقة، والتي يتأثر بها لبنان مباشرة. فالصواريخ الإيرانية التي ضربت بلدان الخليج العربي، كان من الطبيعي أن ترفع من منسوب العداء بين دول الخليج والنظام الديني الإيراني. لكن هنالك ما هو أبعد من ذلك. فهذه الدول التي شعرت بأنّ الحماية الأميركية لأجوائها لم تكن كاملة، إنعكست سلباً لدى بعضها. من هنا تقرأ الأوساط الديبلوماسية الإنعطافة الهادئة التي نفّذتها السعودية، حيث عمدت إلى فتح خطوط التواصل المباشر مع طهران، بعد التمهيد لها عبر الوسيط الباكستاني. وتكشف هذه الأوساط، عن تواصل مباشر قائم بين وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي، من خلال الإتصالات الهاتفية وليس عبر موفدين. ووفق هذه الأوساط، فإنّ هذا التواصل، والذي شمل الملف اللبناني، حقق تفاهمات عدة، وكان أبرزها سحب فتيل استهداف حكومة نواف سلام من خلال التحركات الشعبية لمناصرين لحزب الله. ويُحكى عن توافق مبدئي لحصول لقاء مباشر بين الوزيرين قريباً.

هذه التحولات على مستوى العلاقة السعودية ـ الإيرانية انعكست بدورها على الساحة اللبنانية، وحيث تراجع التشنج في العلاقة بين نواف سلام ووزراء «حزب الله». لا بل فإنّ الكواليس السياسية تكشف عن اجتماع بقي بعيداً من الإعلام بين سلام والنائب حسن فضل الله موفداً من قيادة حزبه. لكن وفي الوقت نفسه، بقي التواصل مقطوعاً بين «حزب الله» وقصر بعبدا. وهنا يعتقد البعض أنّ إعادة فتح الخطوط بين الحزب ورئاسة الحكومة إنما جاء كترجمة لبنانية للعلاقة بين الرياض وطهران. وخلال الأيام الماضية، شعرت الأوساط الإعلامية بوجود اعتراض سعودي على دعوة ترامب للقاء مصافحة بين الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة الإسرائيلية. صحيح أنّ أي موقف سعودي علني لم يظهر في هذا الإتجاه، لكن القوى المحسوبة على السعودية أبدت تحفظها عن هذه الخطوة، ورابطة إياها بالتنسيق مسبقاً مع المملكة. وظهر ذلك في مواقف «ناعمة» للرئيس سلام ومفتي الجمهورية ولقاء النواب السنّة في فندق فينيسيا، وأيضاً في تراجع سمير جعجع عن موقفه الأولي المرحّب. لكن هذه القوى تمسّكت بقوة باستمرار المفاوضات المباشرة وبضرورة تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. أما إيران فلديها منطلق آخر. فهي تدرك أنّ التركيبة التي نشأت منذ وصول العماد جوزاف عون إلى قصر بعبدا أزاحتها فعلياً عن المشهد الداخلي، حيث تراجع تأثيرها في لبنان إلى حدوده الدنيا. لذلك، فهي تطمح لدخولها مجدداً إلى المعادلة اللبنانية، ولو وفق حصة صغيرة من ضمن مظلّة إقليمية سعودية ـ إيرانية. وقد تكون إيران تطمح للوصول إلى حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، ولكن مع السعي لاستعادة نسبة الثلث المعطّل. لكن تطيير الحكومة سيكون مرتبطاً بما سينتج من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. أما السعودية فتتمسك بتطبيق قرار حصر السلاح. وكلا المطلبين يبقيان من المحرّمات السياسية لكلا الطرفين، أقله حتى الآن.

لكن علينا ألّا نُسقط من حساباتنا العامل الإسرائيلي وتحديداً ما يسعى له بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي دخل أطول حرب في تاريخ إسرائيل يخشى كثيراً خسارته في الإنتخابات المقبلة في أواخر تشرين الأول المقبل. وعدا عن أنّه لم ينل العفو الرئاسي، فهو بات هدفاً يومياً لهجمات أخصامه بتهمة فشله في تحقيق أياً من الأهداف السياسية التي رفعها في الحرب، أكان في إيران أم في لبنان. وإضافة إلى ذلك، جاء تحالف لابيد وبينيت وأيزنكوت ليوجّه إنذاراً إنتخابياً صارماً له. وهو ما يعني أنّ الرهان على إقدام نتنياهو على خطوات تفاوضية قد يجري تسويقها داخل إسرائيل بمثابة تنازلات، هو رهان غير واقعي. ما يعني أنّ نتنياهو لن يلبّي أياً من شروط الإنسحاب أو حتى التفاعل معها طوال الفترة الإنتخابية على أقل تقدير. لا بل على العكس، قد يجد نتنياهو نفسه مضطراً إلى التمسك بكل أوراقه الميدانية في جنوب لبنان، وبالتالي عدم الذهاب إلى وقف إطلاق النار لا بل رفع مستوى العنف، وهو ما باشر به منذ الآن. وهنالك من يرى سيناريو أكثر سوءاً، ويتمثل باستعادة مسار الحرب سعياً لتحقيق مكاسب أكبر يمكن تسييلها في الحملات الإنتخابية. من هنا، يمكن تفسير قيام إسرائيل باستكمال تدمير كل المنازل داخل منطقة الخط الأصفر، إضافة الى تثبيت معادلة «حرّية الحركة» في الجنوب وصولاً إلى منطقة شمال الليطاني. في المقابل يسعى «حزب الله» للتمسّك جيداً بالورقة العسكرية، والتي ترفض العودة إلى وضع ما قبل الثاني من آذار الماضي. أما واشنطن، فتسعى لمساعدة نتنياهو عبر التمسك بمبدأ أن لا انسحاب إسرائيلياً من جنوب لبنان قبل سحب سلاح «حزب الله».

وخلافاً للأجواء التفاوضية، فإنّ من البديهي الإستنتاج بأنّ كلاً من إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لجولات عنف في الجنوب، أقله من الآن وحتى موعد الإنتخابات الإسرائيلية في أواخر تشرين الأول المقبل. ويظهر ذلك في ارتفاع مستوى القصف والإستهداف والتدمير الإسرائيلي، وفي تراجع كثافة القصف الصاروخي لـ«حزب الله». صحيح أنّ هذا التراجع قد يكون بسبب الغارات الإسرائيلية على المواقع العسكرية لـ«حزب الله»، لكن ثمة سبباً آخر له علاقة بسياسة التقنين في إطلاق الصواريخ، وهو ما فرضته ظروف انقطاع خطوط التموين عبر سوريا.

وحظي «حزب الله» بورقة ميدانية جديدة تؤرق إسرائيل، وهي المسيّرات التي لا يمكن صدّها. والمشكلة بالنسبة إلى إسرائيل أنّ هذه المسيّرات لا تحتاج إلى مصانع واسعة ومجهّزة، بل يمكن تجميعها في غرف صغيرة وضيّقة، كونها سهلة التصنيع وعملية تركيبها بسيطة جداً ويمكن شراء معظم قطعها من الأسواق اللبنانية. أي باختصار، فإنّ الجبهة اللبنانية ستبقى ملتهبة، أياً يكن المسار الذي ستسلكه الأمور إقليمياً.

وفي إطار لقاءاته الوداعية، تحدث السفير السعودي وليد البخاري عن تعلّقه بلبنان. وهو أبدى تفاؤله الحذر إزاء ما قد يحمله المستقبل، ولكنه جدّد تمسك بلاده باتفاق الطائف وبضرورة استكمال تطبيقه، ومن دون المسّ بجوهر فلسفته التي قام على أساسها. وهو أبدى إعجابه بالخطوات التي حققتها الحكومة اللبنانية، ومكرّراً مرات عدّة عبارات الثناء والتقدير للعمل الدؤوب لرئيس الحكومة نواف سلام، وبأنّ البنود التي كانت تحول دون فتح أبواب سفر السعوديين إلى لبنان قد حققتها الحكومة بسرعة لافتة. وهو ما يعني أنّه فور انتفاء المخاطر الأمنية الناجمة عن الحرب القائمة، فإنّ قرار رفع الحظر عن سفر السعوديين إلى لبنان أصبح جاهزاً. وكان لافتاً اعتقاده، أنّ التراجيديا التي أصابت مختلف مكونات المجتمع اللبناني قد تشكّل حافزاً واقعياً لتجاوز حال النزاع والعنف الذي مزّق لبنان طوال العقود الماضية. وختم البخاري كلامه مجدداً تمسك بلاده بضرورة حصر السلاح في لبنان بيد الدولة دون سواها.

--------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان/ مناخٌ سعوديّ - إيراني جديد يلفح لبنان

 

 

 

 

 

 

 

2026-05-11

دلالات: