صيدونيانيوز.نت/ المرأة والمجتمع/ أقلام ومقالات / الدليل العملي لتنظيم الوقت في رمضان
يعد شهر رمضان فرصة لإعادة ضبط الساعة البيولوجية والنفسية، والإشكالية لا تكمن في قلة الوقت، بل في كيفية توزيع الطاقة بين العبادة، والعمل، والالتزامات الأسرية.
تعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ "الاستثمار في الأوقات البينية" وتحقيق التوازن بين الجهد البدني والصفاء الروحي.
أولاً: نافذة الاستثمار الروحاني (الفجر وما بعده)
بركة البكور: تمثل الساعات التي تلي صلاة الفجر ذروة الصفاء الذهني. يُخصص هذا الوقت لما يتطلب تركيزاً عالياً، سواء كان وِرد القرآن أو التخطيط لمهام اليوم، حيث يكون العقل في أقصى درجات استيعابه قبل بدء الضجيج اليومي.
الاستغناء عن النوم الزائد: الاكتفاء بفترة قصيرة من السكون بعد الفجر يمنح الجسم طاقة كافية لبداية يوم عملي جاد، ويحمي النفس من كسل "النوم الثقيل" الذي يضيع بركة الصباح.
ثانياً: اقتصاد الطاقة في ساعات العمل والدراسة
فقه الأولويات: يتم توزيع المهام المهنية بحيث تُنجز "المهام الصعبة" في الساعات الأولى من الدوام (فترة النشاط الذهني)، بينما تُترك المهام الروتينية والمراسلات للساعات الأخيرة التي يقل فيها التركيز نتيجة الجهد البدني.
العبادة الصامتة: يُحول الصائم وقت عمله إلى محراب عبادة من خلال استثمار "الأوقات الضائعة" (أثناء التنقل أو الانتظار) في الذكر القلبي أو الاستماع إلى محتوى معرفي رصين، مما يحافظ على اتصال القلب بالروحانية وسط صخب الحياة.
ثالثاً: فلسفة الراحة والإنتاجية المنزلية
القيلولة الواعية: تُعد القيلولة القصيرة (بين 20 إلى 40 دقيقة) وسيلة فعالة لاستعادة النشاط قبل فترة المساء، وتجنب النوم الطويل الذي يسبب الخمول ويؤثر على جودة النوم الليلي.
تحويل العادات إلى عبادات: يُنظر للجهد المبذول في إعداد الطعام أو رعاية الشؤون الأسرية كجزء أصيل من العبادة (إفطار صائم، خدمة الأسرة)؛ فالإسلام لا يفصل بين السعي في حاجات الناس وبين الوقوف في المحراب.
رابعاً: الساعة الذهبية (ما قبل الغروب)
عزلة ما قبل الإفطار: تُخصص الدقائق الأخيرة قبل أذان المغرب للاختلاء بالنفس والدعاء. هي فترة "إجابة" ومنح ربانية، يُفضل فيها الابتعاد تماماً عن الانشغال بالمطبخ أو الشاشات، لتكون مسك ختام لليوم الصائم.
خامساً: اقتصاد الغذاء وضبط اللياقة الليلية
التوازن في الإفطار: يعتمد نجاح "قيام الليل" على جودة "الإفطار"؛ فالإسراف في الطعام والشراب يورث الثقل ويحرم المرء من لذة الخشوع في التراويح. الوجبات الخفيفة المتوازنة هي السر خلف النشاط الروحي والبدني المستمر.
القيام الواعي: الصلاة بخشوع وحضور قلب -وإن قَلّ عدد الركعات- أجدى للروح من الركض خلف الكم مع غيبة العقل، فالمقصد هو "تزكية النفس" لا مجرد الأداء الحركي.
قواعد ذهبية للاستمرارية:
1. المرونة: الجدول وُضع ليُخدم الإنسان لا ليكون قيداً عليه؛ فإذا طرأ ظرف حال دون تنفيذ فقرة، يتم الانتقال لما بعدها بيقين أن "النيّة" قد كُتبت.
2. العزلة الرقمية: تقليص التواجد على منصات التواصل الاجتماعي يوفر ما لا يقل عن ساعتين إلى ثلاث ساعات يومياً، وهي كفيلة بصناعة فرق جوهري في ختم القرآن وتطوير الذات.
3. القليل الدائم: المحافظة على ركعتين في جوف الليل وصفحة من القرآن بانتظام، خير من هبّة قوية تنتهي بالانقطاع في منتصف الشهر.
إنَّ نشر هذا الدليل ومشاركته يساهم في بناء وعي مجتمعي يُقدّر قيمة الوقت، ويحوّل رمضان من شهر للتثاقل إلى شهر للإنجاز والسمو الروحي.
د. عبد الكريم بكار
2026-02-27





