Sidonianews.net
----------------------
الجمهورية / طارق ترشيشي
فيما أهل السلطة في لبنان يملؤون فراغ الانتظار بـ»سياحة» ديبلوماسية وسياسية واقتصادية، إلى أن تتبلور صورة ما سيكون عليه الموقف بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمرّ الشرق الأوسط برمته في مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع مشاريع واشنطن لإعادة رسم المنطقة مع رؤية إسرائيل، لتوسيع نفوذها وخلق واقع جغرافي وسياسي جديد، ممّا يضع لبنان والدول المجاورة على مفترق طرق بالغ التعقيد.
فتَحتَ شعار الأمن والاستقرار تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تثبيت نفوذها في كل من سوريا والعراق ولبنان، مستغلّةً الإنقسامات الداخلية والتحالفات الإقليمية. ودعم ترامب للسلطة السورية الجديدة، على سبيل المثال، يعكس تحوّلاً واضحاً في السياسة الأميركية: التنازل عن دعم حُلم الأكراد بإقامة دولة مستقلة، والتشديد على وحدة سوريا بما يخدم مصالح واشنطن ويُعيد ترتيب التوازنات مع إسرائيل وتركيا وإيران.
في الوقت نفسه، تمارس واشنطن ضغوطاً على لبنان والعراق وقطاع غزة، بغية نزع سلاح القوى المقاومة: «حزب الله»، «الحشد الشعبي»، وحركة «حماس». والهدف من هذه الخطوة تفكيك أدوات الردع الإقليمية وتقليص قدرة هذه القوى على مواجهة إسرائيل أو التدخّل في النزاعات الإقليمية.
وفي المقابل، إسرائيل من جانبها، تتقدّم بخطوات واضحة نحو تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة. احتلال قمم جبل الشيخ وأجزاء واسعة من الجنوب السوري، ودعم انفصال دروز السويداء عن الدولة السورية، يهدف إلى خلق دويلات يمكن التحكّم بها ويُضعِف الدولة السورية المركزية. كما احتلالها لمواقع استراتيجية في جنوب لبنان وإنشاء جدار يمتد لمسافة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية واستمرارها في احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قصف إسرائيل لقطر العام الماضي، ولو بذريعة استهداف مقر قادة «حماس»، واعترافها أخيراً بـ «أرض الصومال» دولة انشقت عن الدولة الصومالية الأم، يُظهر أنّها تعمل على توسيع نفوذها خارج حدودها التقليدية، مدفوعة بخطط أوسع لتأمين حدود استراتيجية واستغلال الفراغات السياسية.
وفي خضم هذه المعادلة، تُعتبر إيران الهدف الاستراتيجي الأكبر للضغوط الأميركية - الإسرائيلية. الطلبات المتكرّرة من طهران للتخلّي عن تخصيب اليورانيوم، تقليص برنامجها الصاروخي الباليستي، ووقف دعم حلفائها الإقليميِّين، تشكّل اختباراً حقيقياً لقدرتها على المناورة السياسية والاستراتيجية.
لكنّ السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن للضغوط الأميركية والإسرائيلية أن تُغيِّر سلوك إيران الجمهورية الإسلامية أو تُسقِط النظام؟ الواقع يشير إلى أنّ مثل هذا الهدف سيكون صعب التحقيق بكامله، خصوصاً إذا تسبَّب الضغط بنشوب حرب شاملة في المنطقة، الأمر الذي سيضرّ بمصالح جميع الأطراف، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. علماً أنّ الخطأ الذي يقع فيه الأميركيّون والإسرائيليّون وحتى دول كثيرة، هو أنّهم ما زالوا يتعاطون مع إيران كدولة وشعب وواقع سياسي واقتصادي، كما لو أنّها ما زالت كما كانت أيام حُكم الشاه محمد رضا بهلوي، في حين يحكمها اليوم ومنذ أكثر من 40 عاماً نظام إسلامي عقائدي، لا يمكنه التخلّي عن عقيدته وعن مساره الذي تحكمه هذه العقيدة.
ومن جهتها، دول الخليج، وفي ضوء ما يجري معها وحولها، لم يعُد في إمكانها الوقوف مكتوفة متفرّجة على ما يجري كما في السابق. فالقصف الإسرائيلي للدوحة، واقعة فنزويلا، واعتراف إسرائيل بـ»أرض الصومال» دولة انفصالية، والعمل الجاري لمحو «فلسطين التاريخية» عن الخريطة وشطب الدولة الفلسطينية، كل هذا أحدث وعياً متزايداً بالمخاطر الاستراتيجية لمشاريع واشنطن وتل أبيب في المنطقة. فهذه الدول بدأت تتحسّس حدود مصالحها، وربما تكون مستعدة للتحرّك ديبلوماسياً أو عسكرياً للحدّ من أي تصعيد قد يُهدِّد وجودها وأمنها الاقتصادي والسياسي.
وفي ظلّ هذا الواقع، يبدو لبنان قابعاً في قلب المعركة، فهو غالباً ما يقع في مركز التصادم بين المشاريع الكبرى: الضغط الأميركي - الإسرائيلي لنزع سلاح «حزب الله»، والرغبة في إعادة ترتيب السلطة اللبنانية بما يخدم مصالح الخارج، وهشاشة الاقتصاد والسياسة الداخلية التي تجعل أي تحرّك مستقل شبه مستحيل.
لكنّ المعادلة اللبنانية تشير إلى أنّ أي محاولة لإعادة فرض سياسات «الشرق الأوسط الجديد» بالقوّة ستصطدم بالمقاومة المحلية، بالتحالفات الإقليمية، وبالقدرة الإيرانية على المناورة، ما يزيد احتمالات الفشل أو الإنزلاق إلى حرب شاملة.
وفي أي حال، فإنّ المنطقة تراوح حالياً بين إعادة التوازن والفشل الاستراتيجي، لأنّ مشاريع الولايات المتحدة وإسرائيل وضغوطهما، مهما كانت قوية، ستواجه واقعاً معقّداً تجسّده مقاومات محلية قوية وأبرزها «حزب الله» و«الحشد الشعبي» و«حماس»، ومصالح إقليمية متناقضة، واحتمال نشوب نزاعات واسعة تضرّ الجميع، بما في ذلك الحلفاء التقليديِّين.
ويبقى أنّ لبنان والمنطقة يقفان اليوم على حافة مفترق تاريخي: إمّا أن تستمر مشاريع واشنطن وتل أبيب بضغوطها وتصعّد النزاعات، أو أن تواجه فشلاً استراتيجياً قد يُعيد رسم المنطقة بكاملها، ليس فقط على حساب القوى الكبرى، بل على حساب دول الخليج ولبنان وسوريا والعراق.
لكنّ أي محاولة لفرض مشاريع «الشرق الأوسط الجديد» بالقوّة لن تكون سهلة، فالمخاطر كبيرة، والمنطقة بكاملها على موعد مع إعادة خلط أوراق، وربما مع أزمة كبرى إذا لم تُدار التوازنات بدقة، وإذا لم تُدرِك واشنطن أنّ سياسة الإنحياز الدائم لإسرائيل لن تخدم مصالحها في المنطقة على المديَين القريب والبعيد.
-------------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / اخبار لبنان / بين مشاريع واشنطن و«إسرائيل الكبرى»: لبنان والمنطقة في مرحلة مفصلية
2026-02-04





