Sidonianews.net
--------------
النهار
لم يكن ما جرى في مجلس النواب اللبناني، داخلاً وخارجاً، مساء أمس في دائرة التوقعات، إذ خرجت التطورات عن السيطرة النظامية لرئيس مجلس النواب نبيه بري للمرة الأولى بهذا الشكل من جهة، فيما اقتحم العسكريون المتقاعدون دائرة الحماية للمجلس وحاصروه مباشرة في ما صوّر أنه "ثورة المتقاعدين العسكريين".
في الظاهر، فإن مسالة تصحيح رواتب المتقاعدين العسكريين فجّرت آخر جلسات الموازنة التي كانت مخصصة لرد الحكومة على كلمات 65 نائباً يشكلون نصف أعضاء المجلس طوال الأيام الثلاثة الأخيرة، فبدا الأمر كأن أكثرية النواب "احتشدت" مساء أول من أمس للتضامن مع مطالب المتقاعدين العسكريين إلى حدود التشكيك باتفاق كان عقد مساء أول من أمس بين ممثلي المتقاعدين ورئيس الحكومة نواف سلام بمنحهم زيادات تدريجية توازي أربعة رواتب من آخر شباط. عند حدود التشكيك هذا اشتعل المتقاعدون واقتحموا ساحة النجمة وبلغوا مدخل المجلس، الأمر الذي استلزم حشد قوة من الجيش لمنع اقتحام المجلس واعتبروا أن رئيس الحكومة أخلّ بالاتفاق ولم يعلن في كلمة له من المجلس التزامه ما جرى، على رغم أن سلام كان كرّر رداً على النواب أن الاتفاق قد حصل. أما المضمون الأبعد، فبرز بوضوح عبر مزايدات نيابية على خلفية الإعلان الحكومي عن موعد حاسم للانتخابات النيابية في الثالث من أيار المقبل، وهو الأمر الذي لا يمكن تجاهله في مجريات "تحريض" العديد من النواب للمتقاعدين العسكريين في خطب ومداخلات غلبت عليها الشعبوية.
إذاً في الجلسة الختامية مساءً التي خصصت لرد الحكومة من خلال كلمة مطولة لوزير المال ياسين جابر، استهلك معظم المناقشات فيها موضوع التزام الحكومة زيادة رواتب ومخصصات العسكريين المتقاعدين بمعدل زيادة أربعة رواتب قبل آخر شباط بعد اتفاق عقدوه مع رئيس الحكومة نواف سلام، وسط مطالبات بزيادة الرواتب والمخصصات لجميع موظفي القطاع العام. وشهدت الجلسة تفلّتاً واسعاً وفوضى خرجت عن قدرة بري على ضبطها فطلب وقف النقل التلفزيوني المباشر للجلسة، في وقت سجل خارج المجلس هياج مجموعات من المتظاهرين من المتقاعدين العسكريين توجهوا بكثافة نحو مبنى المجلس على وقع المداخلات الجارية داخل المجلس، بعدما اخترقوا الحواجز الأمنية وطوّقوا المجلس وحاصروه، في الوقت الذي كان وزير المال يحذّر بإزاء مزايدات النواب من خطورة الانجرار وراء أي إجراء آخر غير مدروس. واستقدم الجيش بعد نجاح المتقاعدين في اختراق المجلس تعزيزات كثيفة إلى المجلس ومحيطه، فيما شهدت مناطق عدة في الجنوب والشمال والبقاع قطع طرق.
وعلى الأثر ادخل وفد من المتقاعدين العسكريين تقدمه العميد شامل روكز إلى مكتب ملاصق لقاعة الجلسات واجتمع مع وزراء المال والدفاع والداخلية وبعض النواب، ثم انضم إليهم الرئيس سلام وجرى البحث معه في صيغة مثبتة للاتفاق على برمجة الزيادات، في وقت بدأ فيه تصويت النواب على أبواب الموازنة. واعلن على الأثر نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب أن رئيس الحكومة جدّد التزام حلّ عادل للمتقاعدين قبل نهاية شباط وأن الأجواء إيجابية، ولفت إلى ان سلام أعلن أمام النواب هذا الالتزام، كما أن العميد روكز أعلن تجديد الاتفاق مع الرئيس سلام وخرج إلى المعتصمين وأعلن تجديد الاتفاق، موضحاً أن أهم ما يعنيهم هو زيادة خمسين في المئة على الراتب. وبعد ذلك استمر النواب في عملية التصويت على أبواب الموازنة حتى ساعة متقدمة، وحصل نقاش حادّ حول المواد الإضافية على الموازنة، وأفيد أن كتلة القوات اللبنانية تبادلت ورئيس لجنة المال النائب إبراهيم كنعان سجالات حادة حولها.
وبعد التصويت، أقرّ المجلس ليلاً الموازنة بمادة وحيدة بأكثرية 59 نائباً، وعارضها 49.
بالعودة إلى وقائع المداخلات قبل الانفجار المسائي، لم يخرج مناخ اليوم الثالث للمداخلات عن وتيرة اليومين السابقين لجهة طغيان السجال حول سلاح "حزب الله" على الجانب المالي والاقتصادي، خصوصاً وأن التداخل بين الاستقرار واحتمالات الحرب لم يفارق الأجواء المواكبة للجلسات.
ومع أن المشهد الداخلي ظلّ محصوراً بمناقشات الموازنة، فإن التطور الأبرز الذي اخترق الجلسات تمثل في إعلان الحكومة التزامها إجراء الانتخابات النيابية في الثالث من أيار المقبل، أي ضمن المهلة الدستورية، واضعة حداً حاسماً لكل ما اثير ويثار حول إرجاء تقني أو غير تقني للانتخابات. حصل ذلك عبر إعلان وزير الداخلية أحمد الحجار أنه وقّع صباح أمس مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في 3 أيار على أن يصدر في الجريدة الرسمية خلال اليومين المقبلين، وبعدها سيفتح باب تقديم الترشيحات وفق القانون النافذ. وبذلك تكون الحكومة قد تركت أي احتمال للتلاعب بالمهلة الدستورية للانتخابات في مرمى مجلس النواب الذي يعود إليه إصدار قانون بتعديل بنود في القانون النافذ للانتخابات في ظل الالتباس الذي سينشأ حكماً عن عجز الحكومة عن تنفيذ البند المتصل بتصويت المغتربين في ست قارات وزيادة عدد أعضاء المجلس المنتخب المقبل ستة أعضاء. ويبدو واضحاً، وفق معلومات "النهار"، أن التزام الحكومة إجراء الانتخابات في موعدها نابع من قرار كبير داخلي يجمع عليه الرؤساء الثلاثة جوزف عون ونبيه بري ونواف سلام، إن استناداً إلى تقويم داخلي مشترك وإن بناءً على معطيات دولية لا تتسامح مع أي خلل في إرجاء الانتخابات وتعريض هذا الاستحقاق لما يهز الثقة الداخلية والخارجية بلبنان، فيما هو في أشدّ الحاجة إلى تحصين هذه الثقة في ظل زحمة الاستحقاقات الكبيرة التي يواجهها لبنان . ولذا يبدو من الصعوبة تمرير أي احتمال لتمديد يتجاوز الأسابيع القليلة شرط أن يتوافر له شبه اجماع نيابي.
وكان من المفترض أن تتبع هذه الخطوة البارزة بخطوة أخرى لا تقل أهمية اليوم بعرض تصوّر قيادة الجيش اللبناني للمرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح في شمال الليطاني في الجلسة التي سيعقدها مجلس الوزراء عصر اليوم الجمعة في قصر بعبدا. لكن يبدو أن عرض التصوّر العسكري قد يُرجأ إلى ما بعد الزيارة التي سيقوم بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن بين الثالث والخامس من شباط المقبل، بحيث ينتظر أن تشكل الزيارة تطوراً مهماً سيتعين معه ترقّب نتائجها وتأثيرها على المرحلة التالية من خطة حصرية السلاح في شمال الليطاني.
وقد برزت في هذا السياق بداية سريعة لتقديم المساعدات المقررة للجيش ضمن المبادرة القطرية، إذ أقيم امس في اللواء اللوجستي- كفرشيما حفل تسلّم الدفعة الأولى من الهبة المقدمة من دولة قطر من خلال صندوق قطر للتنمية للجيش، تتضمن عدداً من الآليات، بحضور السفير القطري في لبنان سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، والسفير الأميركي ميشال عيسى، ونائب رئيس الأركان للتجهيز ممثلًا قائد الجيش العماد رودولف هيكل.
كما أن مجلس الوزراء سيناقش اليوم ضمن جدول أعماله، بنداً مهماً يتمثل في مسودة "اتفاق المحكومين" بين لبنان وسوريا الذي سيشكل بعد إقراره أول اتفاق في مسار الملفات العالقة بين بيروت ودمشق، إذ إنّ الوصول إلى مسودة الاتفاق كان ضمن مسار سياسي – قانوني – تقني معقّد لتسليم 260 سورياً محكومين بجرائم.
ومن أبرز بنود مسودة الاتفاق التي ستتضمن 18 بندًا، تحديد مهلة تنفيذ تسليم المحكومين المتفق عليها بين لبنان وسوريا بثلاثة أشهر، وتبقى سارية المفعول لمعالجة أيّ حكم يصدر بأي من الموقوفين السوريين بعد دخولها حيّز التنفيذ. وسيُسلم لبنان بموجب الاتفاق 260 مواطنًا سوريًّا محكومًا بما في ذلك المُدانين بارتكاب جرائم قتل، بشرط أن يكونوا قضوا 10 سنوات سجنيّة (7 سنوات فعليّة تقريبًا). ويشمل الاتفاق أيضًا تسليم المحكومين بالإعدام بشرط عدم تنفيذ العقوبة، والحصول على موافقة المحكوم قبل تسليمه للسلطات السورية، خصوصًا أولئك الذين كانوا من المؤيدين للنظام السوري السابق.
-------------
جريدة صيدونيانيوز.نت
النهار: ختام أيام الموازنة فوضى وثورة بدفع شعبوي ؟ | الحكومة تقطع دابر التمديد والانتخابات في 3 أيار
2026-01-30





