صيدونيانيوز.نت/ دينية / ما قبل رمضان
ماذا قبل رمضان ؟! وماذا قبل شهر الطاعات والرحمات! نعم إنه شهر يغفل عنه الناس . إنه شهر شعبان . كان أسامة بن زيد رضي الله عنهما يراقب حال النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان، فرآه يُكثر الصيام فيه أكثرَ من غيره، فقال متعجبًا: يا رسول الله، لم أَرَك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمةً عظيمةً، لو وعاها الغافلون لتغيرت حياتهم: (ذلك شهر يَغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائم"...
نَحْمَد الله تعالى الذي أكرَمنا ببلوغ شهر شعبان، وفيه تفوح نسائم الإيمان، مبشرةً بقُرب قدوم شهر رمضان، شهر يَنتظره المؤمنُ ويهتم به، إنه شهر القراء، شهر رفع الأعمال إلى رب العالمين، شهر الاستعداد لرمضان، يا تُرى، هل فَطِنَّا لدخوله؟ هل استشعرنا قدر هذا الشهر؟ يبدو أن الكثير مقصِّر في ذلك!...
في كل عام يأتينا رمضان ونحن غافلون، فنبدأ في الطاعة والعبادة من الصفر، ثم نَرقى شيئًا فشيئًا، فلا نكاد نجد طعمَ العبادة وحلاوة الطاعة إلا وقد انقضى رمضان، وانطوت صحائفُه، فنندم ونتحسَّر ونتألَّم، ونقول: نعوِّض في العام القادم، ويأتي العام القادم، فلا يكون أحسن حالًا من سابقه، وهكذا حتى يَحِق الحق ويغادر الإنسان دنياه وهو كما هو!...
وإذا علِم المسلم وذكَّر نفسه بأن شهر شعبان هو البشرى له باقتراب حلول شهر رمضان الفضيل، علَّت هِمَّتُه، ونَهَضت عزيمتُه، ووجد في نفسه من القوة والخِفة ما لم يجده في وقت آخر، وكأن شعبان يُحفزنا على الاستعداد لشهر رمضان، ويذكِّرنا بالعبادة واستنهاض الهمم لها...
المؤمن لا ينتظر رمضان ليبدأ التوبة، ولا يؤجِّل صلاة القيام أو الصيام، أو تلاوة القرآن حتى يدخل الشهر الكريم، بل يدخل عليه رمضان وهو مهيَّأٌ، قد درَّب نفسه في شعبان على الصيام، وعوَّد لسانه على الذكر، وألِف قلبه القيامَ والقرآن...
ومَن أراد أن يكون قويًّا في عبادته، ثابتًا في طاعته، خاشعًا في صلاته في رمضان، فليبدأ وليهيئ نفسه من الآن....
إن أردت رمضانًا مختلفًا عن كل رمضان، رمضانًا بقلب حي، وعبادة خاشعة، وقَبول من الله، فابدَأ من شعبان، نقِّ قلبك من الحقد والحسد والخصومات، وجدِّد التوبة من الذنوب الشاملة لجميع نواحي التقصير في حياتك اليومية، حتى لا يدخل عليك رمضان إلا وقلبك طاهرٌ نقي، فإن رمضان عطرٌ، ولا يُعطَّر الثوب حتى يُغسَل، وهذا شهر الغسل، غسلِ النفس من درن الذنوب والخطايا، وكلنا خطَّاؤون، وخيرُ الخطائين التوابون...
عوِّد نفسك الصيام في شعبان، فمن ذاق مَشقَّتَه الآن، سهُل عليه في رمضان، فصوم شعبان كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مَشقة وكُلْفة، ولا يَخفى أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يكثر الصيام في هذا الشهر؛ كما قالت أمُّنا عائشة رضي الله عنها: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر من السنة أكثرَ صيامًا منه في شعبان»؛ رواه البخاري ومسلم.
فصُم الأيام الفاضلة من هذا الشهر؛ كأيام الاثنين والخميس وأيام البيض، وحُثَّ أبناءك ودرِّبهم عليه؛ حتى لا يُصابوا بِثِقَلٍ أو تَعبٍ في رمضان. ..ولا تغفل عن وِردَك من كتاب الله جل وعلا، فشعبان شهر القراء...
و يَحسُن التنبيهُ إليه أيضًا أنه يَحرُم تقدُّم رمضان بصيامِ يومٍ أو يومين بنية الاحتياط، فلا يُصام إلا برؤية هلال رمضان، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا...
وينبغي أن تُدرك أيها الكريم أنك مُقبل على سوق عظيم، وميدان للمنافسة كبير، فليكن شعارُك وأنت مُقبل على هذا الشهر: لن يَسبقني إلى الله أحدٌ، فالمرحوم مَن رُحِم في رمضان، والخاسر مَن فاتته رحمات رمضان...
ونختم بالحمد لله الذي أيقَظ القلوبَ بمواسم الطاعات، ونبَّه الغافلين بقُرب النَّفحات.
مقتطفات من خطبة فضل شهر شعبان/ موقع الألوكة
2026-01-26





