https://www.sidonianews.net/article338643 /قادة الجيش اللبنانيّ منذ الاستقلال: تاريخ المؤسسة في مرآة قادتها
صيدونيا نيوز

جريدة صيدونيانيوز.نت / قادة الجيش اللبنانيّ منذ الاستقلال: تاريخ المؤسسة في مرآة قادتها

 

Sidonianews.net

---------------------

الجمهورية  / المحامي ميشال فلّاح

منذ الأول من آب 1945، تاريخ إنشاء الجيش اللبناني بصيغته الوطنية بعد الاستقلال، ارتبط مسار المؤسسة العسكرية ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الدولة اللبنانية وتحولاتها السياسية والأمنية. فمنذ ذلك التاريخ تَعَاقب على قيادة الجيش 15 قائداً، واجه كل منهم مرحلة مختلفة من تاريخ الجمهورية: من بناء المؤسسات الوطنية، إلى أزمة 1958، وتنامي العمل الفلسطيني المسلّح، والحرب الأهلية، والاحتلالات الأجنبية، وإعادة بناء الدولة بعد اتفاق الطائف، وصولاً إلى الإرهاب، والانهيار المالي، والتحدّيات السيادية المعاصرة.

ويكتسب موقع قائد الجيش أهمّية دستورية تتجاوز كونه منصباً عسكرياً. فالمادة 49 من الدستور تجعل رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، التي تخضع في الوقت نفسه لسلطة مجلس الوزراء، بما يعكس مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة السياسية المدنية ضمن النظام الدستوري. ومن هنا، فإنّ تاريخ قادة الجيش هو أيضاً تاريخ العلاقة بين الجيش والدولة والسلطة السياسية في لبنان.

• فؤاد شهاب (1945-1958) كان القائد المؤسس للجيش اللبناني. تميّز بشخصية عسكرية مؤسساتية وبنزعة واضحة إلى بناء جيش وطني يتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية. قاد المؤسسة خلال مرحلة تثبيت الاستقلال وبناء الدولة، ثم واجه أزمة 1958، التي شكّلت أول اختبار داخلي كبير للجيش في الجمهورية. وقد ساهمت تجربته العسكرية لاحقاً في تكريس صورته رجل دولة، خصوصاً خلال عهده الرئاسي الذي ارتبط ببناء مؤسسات الإدارة العامة وتعزيز الدولة الحديثة. أخبارلبنان

• توفيق سالم (1958-1959) تولّى القيادة في مرحلة انتقالية قصيرة أعقبت أزمة 1958. وقد كانت مهمّته الأساسية الحفاظ على استمرارية المؤسسة العسكرية في بيئة سياسية شديدة التوتر، قبل أن ينتقل منصب القيادة إلى عادل شهاب. وتكشف قصر مدة ولايته عن طبيعة المرحلة التي كان فيها الجيش جزءاً من عملية إعادة تثبيت الاستقرار السياسي بعد اضطراب داخلي كبير.

• عادل شهاب (1959-1965) قاد الجيش في مرحلة اتسمت بإعادة تنظيم المؤسسة وترسيخ بُنيتها المهنية. وقد جاء إلى القيادة بخبرة عسكرية طويلة، وكان عهده امتداداً لمرحلة بناء الجيش النظامي وتطوير قدراته الإدارية والعملياتية. وفي عهده بقيت المؤسسة بمنأى نسبياً عن الانقسامات الكبرى التي كانت تتفاعل في المنطقة، قبل أن تبدأ لاحقاً مرحلة أكثر تعقيداً مع تصاعد الصراع العربي-الإسرائيلي وانعكاساته على لبنان. أخبارجريدة الجمهورية

• إميل بستاني (1965-1970) تولّى القيادة في مرحلة إقليمية بالغة الحساسية، خصوصاً بعد حرب حزيران 1967. وكان أبرز تحدّيات عهده تنامي النشاط الفلسطيني المسلح داخل لبنان، وصولاً إلى اتفاق القاهرة عام 1969، الذي ترك آثاراً عميقة على مفهوم السيادة اللبنانية وعلى قدرة الدولة والجيش على احتكار القرار العسكري. وقد شكّلت هذه المرحلة بداية التآكل التدريجي لمفهوم السيطرة العسكرية الكاملة للدولة على أراضيها.

• جان نجيم (1970-1971) كانت ولايته قصيرة، لكنّها جاءت في مرحلة أمنية متوترة. وكان صاحب مسار عسكري طويل شمل مواقع قيادية وعملياتية، قبل أن يتولّى قيادة الجيش. انتهت ولايته باستشهاده في حادث تحطّم طوافة عام 1971، فبقي اسمه مرتبطاً بمرحلة انتقالية سبقت الانفجار الكبير الذي عاشه لبنان بعد سنوات قليلة.

• إسكندر غانم (1971-1975) قاد الجيش في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية. وخلال عهده تصاعدت التوترات السياسية والأمنية، وتزايد حضور التنظيمات المسلحة، في وقت كانت فيه الدولة تواجه صعوبة متنامية في ضبط التوازن بين السيادة اللبنانية والوقائع الإقليمية. وانتهت ولايته قبيل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، التي شكّلت أكبر اختبار وجودي للمؤسسة العسكرية.

• حنا سعيد (1975-1977) تولّى القيادة مع بداية الحرب الأهلية. وكانت تلك من أصعب المراحل في تاريخ الجيش، إذ أدّت الانقسامات السياسية والطائفية والميدانية إلى تراجع وحدة المؤسسة وانقسام أجزاء منها. ويُعدّ هذا الانقسام أحد أكبر الإخفاقات البنيوية التي عرفها الجيش، لأنّه أصاب جوهر وظيفته الوطنية، أي وحدة القيادة والقرار العسكري.

• فكتور خوري (1977-1982) قاد الجيش في قلب الحرب الأهلية، وفي ظل تعدُّد الوجود العسكري الأجنبي على الأراضي اللبنانية، من القوات السورية إلى القوات الإسرائيلية، فضلاً عن الفصائل الفلسطينية والميليشيات اللبنانية. ولذلك كانت مهمّته محكومة بواقع عسكري يتجاوز قدرة الدولة المركزية، وانتهت ولايته خلال مرحلة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

• إبراهيم طنوس (1982-1984) تولّى القيادة بعد الاجتياح الإسرائيلي، في مرحلة اتسمت بمحاولات إعادة بناء الجيش وتوحيد مؤسسات الدولة. غير أنّ استمرار الحرب والانقسامات المسلحة حدّ من قدرة المؤسسة على استعادة كامل دورها الوطني، في ظل وجود قوى مسلحة متعدِّدة وواقع سياسي شديد الانقسام.

• ميشال عون (1984-1989) قاد الجيش في المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية. وقد تميّزت شخصيّته بالحضور السياسي والعسكري الصدامي، وانتهت ولايته بانخراطه في مواجهة عسكرية وسياسية مفتوحة خلال مرحلة انهيار النظام السياسي القديم، قبل تطبيق اتفاق الطائف. وتمثل تجربته نموذجاً واضحاً لتداخل القيادة العسكرية بالصراع السياسي في مراحل الأزمات الدستورية.

• إميل لحود (1989-1998) تولّى قيادة الجيش في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، حين كان التحدّي الأساسي إعادة بناء المؤسسة العسكرية في دولة خارجة من حرب طويلة. ارتبط عهده بإعادة توحيد الجيش وتعزيز بنيته، في ظل مرحلة الوصاية السورية، قبل انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1998.

• ميشال سليمان (1998-2008) قاد الجيش خلال مرحلة شهدت تطوُّرات أمنية وسياسية كبرى. وكان أبرز إنجازات عهده قيادة الجيش في معركة نهر البارد عام 2007 ضدّ تنظيم «فتح الإسلام»، وهي مواجهة شكّلت اختباراً عسكرياً كبيراً لقدرة المؤسسة على خوض معركة واسعة ضدّ تنظيم مسلّح. انتهت ولايته بانتخابه رئيساً للجمهورية عام 2008.

• جان قهوجي (2008-2017) تولّى القيادة في مرحلة انعكست فيها الحرب السورية مباشرة على لبنان. واجه الجيش خلالها تهديد التنظيمات الإرهابية على الحدود الشرقية، ولا سيما في محيط عرسال، كما تعامل مع موجات اضطراب أمني واجتماعي واسعة. وتميّز عهده بمحاولة الحفاظ على تماسك المؤسسة في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

• جوزاف عون (2017-2025) قاد الجيش خلال مرحلة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ لبنان الحديث: احتجاجات 2019، الانهيار المالي، انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وتفاقم الأزمة السياسية والأمنية. ومن أبرز سمات عهده الحفاظ على تماسك المؤسسة على رغم من الانهيار الاقتصادي الذي أصاب الدولة ومؤسساتها. انتهت ولايته بانتخابه رئيساً للجمهورية في كانون الثاني 2025.

ومنذ 13 آذار 2025، يتولّى رودولف هيكل قيادة الجيش في مرحلة شديدة الحساسية، تتصل بتعزيز انتشار الجيش، وتثبيت حضور الدولة، والتعامل مع تداعيات الصراعات الإقليمية والداخلية. وتكتسب ولايته أهمّية خاصة، لكونها تأتي في سياق إعادة التأكيد على دور الجيش بوصفه المؤسسة العسكرية الشرعية للدولة.

تاريخ الجيش لا ينفصل عن تاريخ لبنان تاريخ

يظهر من هذا التسلسل، أنّ تاريخ قادة الجيش اللبناني لا يمكن فصله عن تاريخ لبنان نفسه. فقد واجه القادة، كل في مرحلته، تحدّيات بناء الدولة، والانقسام الداخلي، والاحتلال، والوصاية، والإرهاب، والانهيار. وبين نجاحات المؤسسة وإخفاقاتها، بقي العامل الحاسم هو مدى توافر القرار السياسي والغطاء الدستوري والقدرة المادية اللازمة لتمكين الجيش من أداء وظيفته.

لذلك، فإنّ دراسة قادة الجيش ليست مجرّد استعراض لسيرة عسكرية متعاقبة، بل قراءة في مسار الدولة اللبنانية ذاتها. فكلّما كانت الدولة موحّدة القرار، كان الجيش أكثر قدرة على أداء دوره؛ وكلّما انقسم القرار السياسي أو العسكري، انعكست الأزمة على المؤسسة. ومع ذلك، يبقى الجيش، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أحد أكثر مؤسسات الجمهورية تعبيراً عن فكرة الدولة الوطنية، وأحد أهم مؤشرات قدرتها على استعادة سيادتها ووحدتها واحتكارها المشروع للقوّة.

-------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / قادة الجيش اللبنانيّ منذ الاستقلال: تاريخ المؤسسة في مرآة قادتها


www.Sidonianews.Net

Owner & Administrator & Editor-in-Chief: Ghassan Zaatari

Saida- Lebanon – Barbeer Bldg-4th floor - P.O.Box: 406 Saida

Mobile: +961 3 226013 – Phone Office: +961 7 726007

Email: [email protected] - [email protected]

https://www.sidonianews.net/article338643 /قادة الجيش اللبنانيّ منذ الاستقلال: تاريخ المؤسسة في مرآة قادتها