جريدة صيدونيانيوز.نت / كوابيس انفجار داخلي
Sidonianews.net
----------------------
الجمهورية / طوني عيسى
بات مؤكّداً أنّ اتفاق وقف النار وُلد ميتاً. ودخل لبنان مرحلة تصعيد جديدة بالغة الخطورة. فالغارات الإسرائيلية لا تتوقف عن دكّ قرى الجنوب والبقاع الغربي، فيما «حزب الله»، الرافض بشكل مطلق لمندرجِات «إعلان واشنطن»، يواصل قصف المستوطنات ومدن الشمال بالصواريخ والمسيّرات.
إنّه الانسداد الكامل. ومعه يبدو الكيان اللبناني أمام سيناريو محتوم: من الخارج اندفاعة برّية إسرائيلية غير مقيّدة، ومن الداخل تصدّع ديموغرافي وسياسي وطائفي ومذهبي مرشح للانفجار.
وتحرّك إسرائيل اليوم آلتها العسكرية مستفيدة من بيئة استراتيجية دولية، وأميركية خصوصاً، تعتبرها مثالية لصوغ الواقع الجغرافي الذي تطمح إلى رسمه في لبنان. ويكشف الموقف الأميركي عن تحوّل عميق في النهج تجاه الملف اللبناني.
فحتى الآن، تمنح واشنطن حكومة بنيامين نتنياهو ضوءاً أخضر مشروطاً ومقيّداً بسقوف معينة، يضمن مواصلة العمليات العسكرية ضدّ بنية «حزب الله» أينما كان في لبنان، مع الحفاظ على «استثناء جزئي» للعاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، وضمن صيغة العمليات الاضطرارية والمحدودة.
ولكن، مع الرفض العلني والحاسم الذي أطلقه «حزب الله»، بدعم من إيران، لبنود التسوية المقترحة ونزع السلاح، تحوّل هذا الضوء المشروط تفويضاً أميركياً كاملاً ومفتوحاً. وباتت إسرائيل تمتلك الآن ذريعة مثالية أمام إدارة ترامب والمجتمع الدولي لمواصلة توغلها البري وتعميق تمركزها شمال الليطاني، والزهراني ربما، في اعتبار أنّ الجانب اللبناني هو الذي أسقط «مبادرة السلام».
وهذا التطور الدراماتيكي يضع لبنان الرسمي والمفاوض العسكري والسياسي في واشنطن وبيروت في موقف حرج وعاجز إلى أقصى الحدود بين المقصلة الدولية والفيتو المحلي. والسلطة السياسية، الممثلة برئاسة الجمهورية والحكومة، تجد نفسها عالقة في كماشة ساحقة. فهي مضطرة من جهة إلى مراعاة الاتفاقات والتفاهمات التقنية والأمنية التي صاغتها برعاية واشنطن لإنقاذ ما أمكن من الكيان وضمان المظلة المالية والديبلوماسية، لكنها في الوقت عينه تصطدم بالجدار الصلب لرفض «حزب الله»، المستند إلى فائض قوته العسكرية والنفوذ الإيراني.
وفي خضم هذا المأزق، ستعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها اللوجستية، أي حصر السلاح وبسط سلطة الجيش. وسيؤدي ذلك إلى إسقاط صفتها كشريك موضع ثقة في أي اتفاق دولي. وستصبح الديبلوماسية اللبنانية مجرد صدى للعجز الداخلي العميق وضحية للتصادم بين المكونات.
وفي صريح العبارة، لم يعد خطر الاهتزاز الداخلي الكارثي مجرد فرضية تشاؤمية، بل بات قَدَراً يقترب منه البلد بسرعة قياسية لثلاثة أسباب:
1- ثمة انطباع بأنّ الهجوم الحاد الذي تشنه قيادة «الحزب» على السلطة السياسية، مقابل احتقان عارم لدى بقية المكونات اللبنانية ضدّ «الحزب» وسلوكياته لحساب «أجندة» إيرانية، سيؤدي إلى انقطاع آخر جسور التفاهم التي حاول «اتفاق الطائف» إرساءها.
2- بدأت عمليات الإفراغ الواسعة جداً والتهجير المنظّم لسكان الجنوب والنبطية والبقاع الغربي نحو مناطق الجبل وبيروت والشمال، تخلق احتكاكات اجتماعية واقتصادية حادة ومكتومة. ومع تحول هذه المناطق الجنوبية والبقاعية أرضاً محروقة تستحيل العودة إليها، فإنّ هذا النزوح الطويل سيصبح فتيل تفجير أهلي عند أول صدام سياسي أو أمني في الداخل.
3- إذا حاولت الدولة، تحت وطأة الضغوط وعقوبات الخزانة الأميركية، المضي قدماً في تنفيذ مندرجات «إعلان واشنطن» بشكل أحادي، فإنّها ستجد نفسها في مواجهة أمنية وعسكرية مباشرة مع «الحزب». وفي المقابل، إذا انكفأت هذه الدولة وخضعت لمنطق «الحزب»، فإنّها ستُصنّف دولياً كـ«كيان مارق»، ما يشرعن أن تقوم إسرائيل- والولايات المتحدة- بسحق مقوماتها الاقتصادية والسيادية بالكامل.
لذلك، يقف لبنان اليوم في عين العاصفة، رهينةً لمعادلة غاية في السوداوية. فهو لا يستطيع منع إسرائيل من المضي في عمليات السحق والتدمير والتوغل البرّي. كما لا يستطيع منع «حزب الله» من المضي في خيار القتال حتى الرمق الأخير، من دون أي التفات إلى كلفة الجغرافيا والديموغرافيا. بل إنّ إسرائيل باتت قادرة أكثر من أي يوم مضى على لعب ورقة التنافر الداخلي، بكثير من «البراءة»، تماماً كما يواصل «الحزب» حربه الإقليمية العبثية تحت شعارات «البراءة»، أي تحرير الأرض وحماية الشعب.
خطورة هذا التوازي بين خطين لا يلتقيان، أنّها ستسمح للأقوى أي لإسرائيل، أن يمضي في خياراته التوسعية حتى النهاية، فيما يغرق لبنان يوماً بعد يوم في «تسونامي سياسي وأهلي» قد تتجاوز الخسائر التي سيخلفها التوغل ودمار الغارات الإسرائيلية. واستمرار «الفصام الوطني» العمودي سيعني أنّ البلد لن يخسر حدوده المائية والبرية فحسب، بل إنّه سيكون فأر المختبر الذي به ستبدأ التجارب الحقيقية لمشروع «الشرق الأوسط الجديد». إنّه الطرف المهزوم أمام الخارج، والمهزوم في الداخل. ولا ضوء في نهاية النفق، ألاّ إذا تحققت معجزة فجأة. وهذا أمر مستحيل حتى الآن.
--------------------------
جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / كوابيس انفجار داخلي