الصورة عن : nir-osra.org
جريدة صيدونيانيوز.نت / هل تعفو عنه يوم القيامة؟
صيدونيانيوز.نت/ قصة قصرة / أقلام ومقالات/ هل تعفو عنه يوم القيامة؟
كان فتًى نجيبًا، لم يعرف من الحياة سوى صفحات الكتب وقاعات الدراسة، أحرز مجموعًا مرتفعًا في الثانوية، فدخل كلية الطب، أرفعَ كليات بلده، والده، موظف كبير في إحدى دول الخليج، أغدق عليه الأموال دون حساب، فلم يُحرَم شيئًا، اشترى له هاتفًا حديثًا قبل أن يعرفه أبناء جيله، وأهداه سيارة يذهب بها إلى الجامعة.
لكنَّه لم يجد من يرشده، أو يعلِّمه زكاة القلب والعقل قبل فطنة الذكاء.
اغترَّ بنجاحه، وأغوَته أموال أبيه، فالتف حوله أصحاب اللهو من الجنسين، يجرُّونه إلى دنيا من الغفلة، ما عادت السيارة تعرف طريق الجامعة، وما عادت أقدامه تعرف المدرج، صار وقته موزعًا بين سهرات ورحلات، لا يُذكر فيها الله، بل تُطفأ فيها أنوار القلب والعقل.
ذاق الخمر أول مرة فتقزز، ثم أعاد الكأس، وواصل رغم الوحشة والضيق، ظنًّا أن السعادة في النسيان، وما علم أن الذنب نار لا تنطفئ إلا بتوبة.
ولم يطرق باب الله، بل طرق كل الأبواب سواه.
حتى كانت الفاجعة...
ليلٌ مظلم، طريق سريع، سرعة جنونية، ضحكات تتعالى من مكبرات الصوت... ثم صوت ارتطام مهولٍ، زجاج يتحطم، دماء لا تُرى، لم يتوقف، أكمل سيره، وبعد كيلومترات، نزل يصلح الزجاج، فشاهد سيارة إسعاف تعود أدراجها... ووراءها شرطة.
امرأة عبرت الطريق، وماتت.
في قسم الشرطة، أنكر، وكذب، وخرج!
ظنَّ أن كذبه خلاص، وما علم أن الذنب لا يموت بالكتمان، بل يطارد صاحبَه حتى يقف بين يدي الجبَّار.
سنوات مضت، وهو في كآبة وهمٍّ، لا راحة في نوم، ولا سكينة في قلب، كوابيس تطارده، وندم يخنقه، جرَّب أطباء النفس، وسافر، وسهر، ونام، لكن لم تزل المرارة تأكله.
حتى جاءته الفرصة... سافر مع والديه إلى العمرة.
وفي صحن الكعبة، وبين دموع الطائفين، فتح مصحفًا وقرأ: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾ [النساء: 92]، شهق، وصرخ: يا رب... لم أتعمَّد قتلها!
لكنَّه الآن يعلم: الدين ليس شعائر فارغة، بل نظام حياة، وعدل إلهي، ومسؤولية في الدنيا قبل الآخرة.
عاد من العمرة يبحث في حكم ما فعل، وعلِم أن عليه الكفَّارة والدِّيَة، وأن التوبة لا تكتمل إلا بردِّ الحقوق.
حاول الوصول إلى ذوي القتيلة، بحث في أوراق المحضر، أُبلغ أن القضية طُويت، والأوراق أُعدمت، لم ييأس.
توجه إلى قريتها، طرق باب العمدة، ثم دلُّوه على أهلها.
دخل عليهم، فانفجرت الدموع قبل الكلمات، بكَوا جميعًا بكاءً مرًّا، وحدَّثهم بما فعل، وما ندم، وما تاب، وأنه لا يملك مالًا، ولا وجهًا، وإنما قلبًا منكسرًا.
فكانت المفاجأة... عفَوا عنه، لوجه الله، لا يريدون مالًا ولا دية.
خرج إنسانًا جديدًا.
رجاؤه اليوم: أن يغفر الله له، وقد عفا الناس.
لكن سؤاله الذي لا يفارقه في خلواته:
هل تعفو عني يوم القيامة؟
هو لا يملك الجواب... لكنه يملك التوبة، والرجاء، وكثرة البكاء بين يدي الله.