https://www.sidonianews.net/article339546 /الذكرى 44 لغيابه : بشير والأحلام الممنوعة
صيدونيا نيوز

جريدة صيدونيانيوز.نت / الذكرى 44 لغيابه : بشير والأحلام الممنوعة

 

Sidonianews.net

-------------------

الجمهورية

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

في الذكرى الرابعة والأربعين لاستشهاد الرئيس بشير الجميّل ورفاقه، قبل تسعة أيام من تسلّمه صلاحياته كرئيس للجمهورية خلفاً للرئيس إلياس سركيس، لا بدّ من استخلاص عبرة أساسية، وهي أنّ الأحلام الكبيرة ممنوعة في بلد كلبنان ذي الطبيعة السياسية والطوائفية المركّبة والمعقّدة في آنٍ، والتي تحمل رواسب وموروثات تاريخية، يَصعب محوَها من الذاكرة الجماعية للبنانيّين. سياسة

وبشير الجميّل، ظاهرة نبتت من رحم الواقع السياسي، وشقّت طريقها بقوّة وسط العوسج والأعشاب السامة، فانصهرت في كور التجربة وتفولذت، فكانت في مواجهات مستمرة لم يغِب عن بعضها لون الدم، ولم تتوارَ صورة الفواجع، وذلك بعدما وجدت نفسها أمام طريق مسدود مع العقلية التي سادت الحياة السياسية اللبنانية منذ العام 1920، تاريخ تأسيس الدولة وتثبيت الكيان الوطني.

وكان بشير يرى أنّ لا سبيل لقيامة لبنان القوي إلّا بحُكم قوي واضح، يعرف ماذا يريد. لذلك لم يرتضِ أن يكون - كما كان والده من قبل - أحد ركائز الشرعية اللبنانية، بل أن يصبح هو الشرعية التي تخطّط لهذا اللبنان وتعمل على تنفيذ ما تتعهّد به. وقد تمكن من الإفادة من الظروف والتحوُّلات في منطقة الشرق الأوسط، وأباح لنفسه نسج التحالفات الإقليمية، في وقت كان حصار السلبيات الفلسطينية والعربية يشدّ الخناق على الدولة ويمنعها من النهوض، وكانت لعبة خطيرة يضطلع بها، وهو يعرف أنّه كان يمشي على حدّ السيف، وأنّ أي خلل أو انتكاسة تودي به وتقضي على أحلامه وأحلام المراهنين عليه. لكنّه استطاع أن يحقق مجموعة شروط كانت ستشكّل أساساً لنجاحه في عملية الاستقطاب الوطني، لو لم يعاجله الاغتيال ويقلب الطاولة على الجميع. من هذه الشروط، أنّه تمكّن أن يزاوج بين التقليديّين و»المقاومين». وأن يفيد من خبرات الأوّلين وتجربتهم المخضرمة، ومن زخم الأخيرين والقوّة الدافعة التي يشكّلونها لمشروعه السياسي. ولا حاجة لتعداد السياسيّين التقليديّين الذين أحاطوه إحاطة السوار بالمعصم، وأسدوا إليه ما أسدوا من نصح، ووفّروا له ما يفترض توفيره من معلومات، وخبرات. وهو إلى تلك الميزة تمتع بـ:

1- الطاقة الكاريزمية التي ساعدته في استقطاب الرأي العام اللبناني في أي موقع سياسي أو طائفي كان، فهو نقر على الوتر الحساس الذي يرتاح إليه الناس، عندما تعهّد بضرب الفساد الإداري، وبأن يجعل الدولة فعلاً لا قولاً في خدمة المواطن. وكانت خطبته ما قبل الأخيرة في مبنى تلفزيون لبنان في الحازمية، هي المعبر إلى قلوب اللبنانيّين، الأخصام منهم قبل الأنصار والمؤيّدين. أخبارلبنان

2- قدرة على إنتاج لبنان الجديد المرتجى، القوي بذاته الذي يستطيع التحرُّر من الوصايات الخارجية وعقد التحالفات والاتفاقات المتكافئة. وقد أزعجت دعوته لهذا «اللبنان» الكثيرين الذين لم يرتاحوا إلى جنوحه نحو الاستقلالية وحرّية القرار. وهذا ما أوقد في نفوس الناشئة حس الالتزام، والرغبة في الانخراط بمشروع الدولة.

3- الفاعلية والمرونة معاً، ما مكّنه - وبطريقة مدهشة - أن يغزو اهتمامات لبنان المنتشر، وأن يوقِظ في المغتربين ملكة الانتماء إلى وطنهم الأم. ومَن راقب تموُّجات سطوع نجم الرئيس الشهيد في دنيا الانتشار، وردود الفعل الإيجابية على ذلك، يتبيَّن له أنّه أجاد تحفيز الاغتراب وإخراجه من حال الركود، أو على الأقل من حال الاستنهاض الموسمي والمناسباتي، وتحويله إلى طاقة استراتيجية دائمة، توظف باستمرار في خدمة قضايا الوطن الأم. وهذا ما يمكن استقراؤه من التفاعل الإيجابي الواسع الذي سبق انتخابه رئيساً وواكبه وتلاه، وردّ الفعل المؤثر على غيابه الذي عمّ مجتمعات الانتشار. العربوشعوب الشرق الأوسط

ومن حسن حظ بشير وسوء طالعه في آنٍ، أنّه وصل إلى الرئاسة الأولى في أجواء «انقلابية شعبية»، تواكبها هستيريا جماعية توسمت فيه الخلاص، وانتُخب وفق الأصول الدستورية التي تُتَبع عادة في مثل هذه الحالات. ولكن هذا النجاح تمّ في أجواء انقسام عالمي، وذروة الصراع بين المعسكرَين، لذلك ارتدى ارتقاؤه إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية طابع «التحدّي الاستراتيجي» للمعسكر السوفياتي وحلفائه على الساحتَين الداخلية والإقليمية، ما أبقاه في دائرة الخطر. وكان اغتياله أكبر من عملية انتقام محدودة في الزمان والمكان والأسباب، بل إنّ غيابه عن مسرح السياسة في لبنان تجاوز من حيث تأثيره، حدود وطنه الصغير الذي كان يريده موحّداً، إلى حدّ أنّه اعتُبر لدى فئات واسعة من اللبنانيين شهيد الـ10452 كلم². وهنا لا بدّ من الإشارة إلى النجاح الكبير الذي حققه الرئيس المنتخب، بحمل اللبنانيّين على التمسك بوحدة لبنان أرضاً وشعباً، في وقت كان الجدل قائماً حول جدوى هذه الوحدة، والتداول في صيغ بديلة يغزو الصالونات السياسية.

وبرحيل بشير الرئيس-القائد والقائد-الرئيس «تبعثر» الغرب و«تعثر» بخططه، وواكب ذلك بروز قوى ثورية أصولية وصفها البعض بـ«القنبلة النووية» العقائدية التي أجفل اجتياحها المعسكرَين الدوليَّين معاً، وكان لبنان بالطبع مسرحاً لها ومنطلقاً تحت عنوان تحريره من الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع أفول النفوذ الفلسطيني. كما تأخّرت مساعي التسوية الشرق أوسطية الموعودة، وكذلك تأخّر انهيار منظومة الدول الشرقية المنضوية في حلف «وارسو» بقيادة موسكو، بخلاف توقعات مراكز الأبحاث الأميركية.

والأهم من ذلك، غابت الطاقة «السحرية» التي استطاعت أن تكَوكِب اللبنانيّين من حولها سحابة واحد وعشرين يوماً. وكانت الصدمة بغياب بشير الجميّل أعمق وأشمل من الفرحة بوصوله إلى الرئاسة الأولى. فيوم انتُخِب هلَّل قسم من اللبنانيّين، وانتحب قسم آخر. لكن سرعان ما انقلب الانقسام الذي واكب فوزه بالرئاسة إلى وحدة جامعة، ذرفت الكثير من الدمع وأطلقت التأوّهات يوم وداعه. سياسة

إنّ استشهاد بشير ورفاقه على النحو المفجع الذي وقع في عيد ارتفاع الصليب يحمل غير معنى ومغزى. فهل كان عليه أن يخوض هذه المغامرة؟ وهل إنّ وجوده في موقع الرئاسة الأولى، أمر لا بُدّ منه لصَون القضية والحفاظ على استمراريّتها؟ ألم يكن أجدى وأفضل للمسيحيّين في لبنان وديار الانتشار أن يقود بشير مقاومته من أجل التحرير والسيادة من خارج مواقع السلطة والمسؤولية؟ وهل كانت الظروف تسمح بأن يشق طريقه وسط تصارع الاستراتيجيات وتجاذبها في تلك المرحلة الحافلة بالتطوُّرات الساخنة؟ هل سقط بشير ضحية أحلامه، أم أنّه دُفع دفعاً إلى الموقع الذي بلغه ليسهل إسقاطه؟

على أنّ المفجع، أنّ بشيراً خلّف أحلاماً كبيرة لم يتمكن خَلَفه من الاضطلاع بها في أي مجال، فاتسعت رقعة الخيبة، وبدأت التشققات تضرب أرض الواقع المسيحي. وفي أي حال، يبقى أمر الإجابة عن الأسئلة التي رافقت صعوده وغيابه للتاريخ. ثمة أمر واحد يمكن استخلاصه من هذه الذكرى، هو أنّ الأحلام الكبيرة ممنوعة في لبنان.

----------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / الذكرى 44 لغيابه : بشير والأحلام الممنوعة





www.Sidonianews.Net

Owner & Administrator & Editor-in-Chief: Ghassan Zaatari

Saida- Lebanon – Barbeer Bldg-4th floor - P.O.Box: 406 Saida

Mobile: +961 3 226013 – Phone Office: +961 7 726007

Email: [email protected] - [email protected]

https://www.sidonianews.net/article339546 /الذكرى 44 لغيابه : بشير والأحلام الممنوعة