https://www.sidonianews.net/article337215 /جنبلاط رادار لبنان والقراءة الواقعية للمشهد!
صيدونيا نيوز

جريدة صيدونيانيوز.نت / جنبلاط رادار لبنان والقراءة الواقعية للمشهد!

 

Sidonianews.net

----------------------

الجمهورية

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

حديث رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط الأخير إلى جريدة «ميديا بارت» الفرنسية الإلكترونية، قدَّم قراءة مكثفة لواقع لبنان ومقاربة موضوعية لما قد ينتظره، وينتظر سوريا في طالع الأيام، إذا لم يتنبّه اللاعبون المحليّون على الأرض إلى مخاطر الرهان على الخارج المتصارع والمشتبك في الإقليم، والعبث بالاتفاقات التاريخية التي وُضِعت بعد الحرب الكونية الأولى. إذ من شأن تشظّيات هذا الصراع بروز خرائط جديدة تُدخل المنطقة في حرب الألف عام، لا على قاعدة طائفية ومذهبية فحسب، بل إتنية مدمِّرة.

قالها وليد جنبلاط محذّرا من أن لا أحد يستطيع إلغاء أحد في لبنان، وقد بيّنت وقائع التاريخ أن الحسم العسكري منذ أحداث الجبل 1845، و1860، و1983، لم يفرز حلّا سياسيا مستداما، وظلّ مكتوبا على المكوّنين الدرزي والمسيحي أن يتابعا مسيرة الحياة الواحدة على الأرض التي وُجدا عليها منذ مئات السنين، وهي اليوم-بعد الامتحانات الصعبة والدامية- على قدر من التماسك وكذلك أحداث العام 1920 التي طالت بلدة عين إبل الجنوبية لم تلبث أن طويت وعاد صفاء العيش ليُخيّم بين الشيعة والمسيحيين. كما تمّ تجاوز مشاركة الأول في الهجوم على زحلة في أحداث الستين، بعدما شاركوا أهلها في الدفاع عنها في الموجة الأولى من الهجوم في منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر، مع ولادة بروتوكول 1861 الذي أسس لبروتوكول 1864 ونشوء نظام المتصرّفية، وكذلك أحداث النبعة ذات الغالبية الشيعية في شرق بيروت العام 1976 إبان حرب السنتين. وفي نهاية المطاف، بدا العيش المشترك الواحد بين المسيحيين والشيعة قدرا لا مفرّ منه على غرار ما آلت اليه الأمور في الجبل بين الموارنة والموحّدين الدروز على إثر سلسلة المآسي التي طالت هذه المنطقة التاريخية من لبنان. ولم تفلح حرب السنتين عام 1975 وما تلاها من حروب متنقلة تضمر وتتسع غبّ حاجة من ينفخ في نارها إليها، في إدامة ما ارتفع من سدود ظرفية بين المسيحيين والسنّة. وكان واضحا أن الخارج لأسباب سياسية - اقتصادية استراتيجية وتكتيكية، كان يحرّك السكّين في الجرح ويضرم نار الخلافات بمراكمة عوامل الحقد والحذر والكمون. لكنّ الأوضح أن التفاهمات الدولية والإقليمية - لا الوعي اللبناني الجماعي الناتج من صدمات إيجابية ونقد ذاتي وشجاعة في الإقدام على تنقية الذاكرة- كانت وراء الاستقرار وما خلّفه من ازدهار في لبنان. ولئلا ننبش طويلا في دفاتر التاريخ، يكفي التذكير بفترة الهدوء والعمران والدخول في الحداثة من بابها الواسع التي أعقبت أحداث 1958، وبروز نظام إقليمي جديد، شكّل في جانب منه نقطة تقاطع بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية العربية المتحدة بزعامة عبد الناصر، وإغضاء ضمني من الاتحاد السوفياتي، وتمثل هذا التحوّل الإيجابي بعد فترة من التوتر والاحداث الدامية امتدّت من العام 1956 الى العام 1958- بسبب الاحلاف وسقوط الملكية في العراق ومحاولة الإطاحة بالملك حسين في الأردن والسعي الفاشل لإرغام الرئيس كميل شمعون على مغادرة منصبه قبل انتهاء ولايته الدستورية- بلقاء الرئيس اللبناني المنتخب اللواء فؤاد شهاب والرئيس عبد الناصر تحت خيمة نُصبت على الحدود اللبنانية- المشتركة بجديدة يابوس في الخامس والعشرين من آذار 1959، إيذانا بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. خدمت هذه المرحلة "عسكريتها" وتلتها فترات غير مستقرة قادت مع تقلب الظروف والتطورات الى حرب السنتين بدءا من الثالث عشر من نيسان 1975. صحيح أنّ هذه الحرب وضعت أوزارها بسبب تفاهمات دولية-إقليمية وإنتر عربية مرحلية، لكنّ اتفاق الطائف في العام 1989، عكس إرادة دولية وعربية(باستثناء العراق في زمن صدام) في وقف الحرب والسير في نظام سياسي جديد، استمد قوّته من معادلات سياسية عرفت وقتها بالسين-سين ورضى أميركي-فرنسي، بقى ثابتا على رغم الاهتزازات، والحروب الإسرائيلية المتنقلة وما نتج منها من مواجهات، وتفاهمات(تفاهم 26 نيسان 1996) عقب عملية "عناقيد الغضب" التي أقدمت عليها تل أبيب وصولا الى صدور قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1559 الذي كان نقطة تحوّل أعادت تشكيل التوازنات الداخلية وتقليص قبضة النظام السوري السابق. وبدا ذلك بوضوح بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2005.

وتستمر "البانوراما"، من حرب تموز 2006، وحرب "الإسناد" 2023، وما تبعها من حرب طاحنة لا يزال لبنان يعيش تحت وطأتها، بعدما أطاحت إسرائيل باتفاق 27 تشرين الثاني 2024، واستقوت بورقة البنود الـ8 الموقعة بينها وبين واشنطن، لجهة تغطية أي خرق تعمد إليه "بذريعة الضرورة الأمنية". وهنا لا يمكن القفز فوق الدور الإيراني المباشر وغير الموارب الذي يتصدر المشهد في دعم "حزب الله" على جميع المستويات. كما يجب الإقرار أنه في جميع المراحل التي مرّ فيها لبنان منذ منتصف الستينيات حتى اليوم، لم ينحسر ظل الدولة العربية، ولو بأشكال شتى، وكان لتدخلاتها أثر يتجاوز الأسباب العسكرية والأمنية التي تتذرع بها، وهو أمر يستحق التوقف عنده مفصلاً.

في الخلاصة، لا يمكن بناءً على المعطيات التاريخية والواقعية المتوافرة إلا تسجيل الآتي:

- ليس أمام اللبنانيين إلا وحدتهم، التي يفترض أن تتقدم عندهم على أي اعتبار آخر، والاقتناع بأن أحداً لا يستطيع أن يلغي الآخر ويختطف منه دوره، وبهذه الوحدة معطوفة على قبول الآخر والحق في الاختلاف، يمكن إدارة التنوّع وبناء النظام السياسي القادر على تحصين نفسه في وجه التحديات مهما عظمت.

- التنوع الطائفي وتعدده لا يلغي إمكان قيام الدولة المدنية، دولة الحق والقانون.

- الاقتناع بأن فصل لبنان عن الصراعات الدولية والإقليمية، وما يمكن أن تعكسه من إيجابيات وتداعيات، هو من الصعوبة بمكان، ويصطدم بالكثير من الاعتبارات المعقدة، للأسباب الواردة في ما سبق. وإن اجتناب الوقوع في براثن هذه الصراعات أو القدرة على التملّص منها، يعود إلى معرفة تعاطي اللبنانيين مع مصادرها وفكفكة الألغام الموقوتة التي تهدد بلدهم، وليس التحوّل إلى بوق وأداة لهذه الجهة أو تلك.

- طالما أن الكلمة الفصل ليست بيد اللبنانيين الذين انقسموا إلى محاور، وبات كل منهم يشايع جهة ويبايعها الولاء ويتبنّى "أجندتها"، فإن الذهاب في مكاسرة داخلية تهدّد السلم الأهلي هي مغامرة عابثة ومجانية، لأنه عندما يقبل زمن الحل، فإنه سينزل على الجميع بصورة "هبوطية"، ولن يكون بالإمكان رده.

من هنا لا يمكن الإقلال من أهمية الدعوة إلى التلاقي ولو ضمن مشتركات الحد الأدنى التي تحفظ السلم الأهلي وتهيئ الأجواء لحوار جاد عندما يحين أوانه. هذه المشهدية ليست عرضاً تاريخياً، ولا موعظة، إنما هي قراءة لما بين،ولما يتجاوز أسطر حديث وليد جنبلاط "رادار" السياسة اللبنانية، والقارئ المميّز في كف السياسات الدولية والاقليمية، وتأثيرها على البلدان صغيرها وكبيرها. وهو لا يسقط في "الجيوبوليتيك" نظرية "الأوعية المتصلة" (Les Vases Communicants)، بدليل حديثه الواقعي عن مخاطر سقوط سوريا الموحّدة الى المنطقة بأسرها.

-----------------------------

جريدة صيدونيانيوز.نت / أخبار لبنان / جنبلاط رادار لبنان والقراءة الواقعية للمشهد!

 

 

 





www.Sidonianews.Net

Owner & Administrator & Editor-in-Chief: Ghassan Zaatari

Saida- Lebanon – Barbeer Bldg-4th floor - P.O.Box: 406 Saida

Mobile: +961 3 226013 – Phone Office: +961 7 726007

Email: [email protected] - [email protected]

https://www.sidonianews.net/article337215 /جنبلاط رادار لبنان والقراءة الواقعية للمشهد!